بيانات حركة أحرار البحرين

نهضة الحسين حاضرة في الوجدان تتحدّى الأمويين والخليفيين

حقّا إن الإمام الحسين أقضّ مضاجع الطغاة وحرمهم من الشعور بالأمن ما داموا يمارسون الظلم ويرتكبون الموبقات بحق الأبرياء والأحرار. فآثار النهضة الحسينية ليست محصورة بزمانها، بل ما تزال مصدر قلق وخوف شديدين لدى الظالمين والمستبدّين ومصّاصي دماء الشعوب. لقد شعر الحكم الأموي أن المشروع المحمّدي الذي قام الحسين من أجله سوف يزلزل الأرض تحت أقدام يزيد، وأن حكمه لن يستقر أو يستمر، فقرّر ارتكاب كبرى الموبقات التي اهتز لها الوجود الإنساني على مدى أربعة عشر قرنا. فالحسين وجود مختلف جملة وتفصيلا عن الحاكم الذي شيّد كيانه السياسي على دماء الأبرياء وجماجم الشهداء. كان مصداق رسالة جدّه خاتم الأنبياء، وحامل لوائها، والصوت الهادر لها. فكان وجوده، في نظر يزيد، تهديدا للكيان الأموي الذي كان فاقدا للشرعية الدينية أو الشعبية. فقد حكم معاوية الناس بالنار والحديد، فقتل صحابة رسول الله، وشنّ حربه على البيت المحمّدي، ونقل مقر الخلافة إلى الشام، وفرض ابنه حاكما على المسلمين. فما كان أمام الحسين عليه السلام إلا ان يعلن رفضه المطلق لذلك الحكم، ويرفض مبايعة يزيد مهما كان الثمن. وكان رفضه بيعة يزيد موقفا أعاد التوازن لأمة الإسلام التي سعى معاوية لإفسادها وتغيير بوصلتها السياسية. هذا الرفض أشعر يزيد بوجود خطر وجودي على حكمه، لأن الطاغية لا يشعر بالأمن ما دام هناك من يعارضه بشكل جاد.

ذكرى عاشواء هذا العام تطل على شعبنا البحراني وهو يعيش واحدة من كبريات المصائب التي حلّت به على أيدي الحكم الخليفي الجائر. فعلماؤه معتقلون، وخطباؤه ممنوعون من ارتقاء المنبر، ورواديده مهدّدون بالويل والثبور إن ألمحوا للظلم الذي يعاني منه شعب البحرين. بل أن التوجيهات الخليفية تسعى لتشويه التاريخ وتحريف حوادثه خصوصا ما يرتبط بالمشروع الأموي المعادي للمشروع المحمّدي. في هذه الأثناء يسعى الخليفيون للتشويش على الحقائق ويشنّون حملة اعتقالات واسعة طالت العلماء والنشطاء ضمن مشروع تغيير هوية البلاد وتاريخها. إنه أحد وجوه الصراع التاريخي المحتدم بين السكان الأصليين (سنّة وشيعة) والعائلة الخليفية التي احتلّت البلاد بالنار والحديد، ورهنتها للأجنبي وأقامت العلاقات مع أعداء الأمّة. وما موقف الشعب اليوم إلا حلقة أخرى من النضال الوطني المتواصل عبر الأجيال، لتحرير البلاد من ربقة هذه العصابة. ولقد عانى شعبنا كثيرا من ظلم الحكام الخليفيين على مدى العقود، وصمد أمام ظلمهم ومحاولاتهم المتواصلة لتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد. وبرغم معاناته المستمرة، لم يتخلّ عن قضايا الأمّة، بل بقي على ولائه للإسلام أوّلا ولأمّة العرب والمسلمين ثانيا. وقد عاش في هذه الأرض معتزّا بانتمائه لها ورافضا ارتهانها من قبل الأجانب. وتصدّى للخطط الخليفية المعادية للأرض والشعب بشجاعة وصمود، وقدّم أغلى التضحيات على هذا الطريق. ومنذ الانسحاب البريطاني في العام 1971، لم تمر حقبة بدون أن تكون السجون الخليفية مكتظّة بشباب البلاد وأحرارها بسبب رفضهم الاحتلال الخليفي وإصرارهم على تحقيق تحوّل ديمقراطي حقيقي، وإنهاء الاستبداد القبلي الذي يمارسه الخليفيون.

ولعلّ من أهم الحقائق أن حكامه جاؤوا من خارج الحدود واحتلّوا أرضه بالقوّة، فليس لهم جذور عميقة في هذه الأرض، كما لم يقرّ أهلها بحكمهم منذ أن دنّست أقدامهم أرض البحرين الطاهرة. ونجم عن هذه الحقيقة شعور عميق لدى الخليفيين بالغربة عن الوطن والشعب، فلم يستطيعوا الانصهار في البوتقة الوطنية يوما، بل أصرّوا على العيش بعيدا عن السكان االأصليين (شيعة وسنّة). وعلى أرض الرفاع أقاموا حكمهم منفصلين عن البحرانيين الأصليين. ومارس هذا الحكم أبشع أساليب الاضطهاد والتنكيل على أمل إحداث تغيير في التركيبة السكانية، ولكن بدون جدوى. وبرغم سياسات التوطنين واستقدام الأجانب وتجنيسهم لتغيير التوازن السكاني، بقي البحرانيون متشبثين بأرض آبائهم وأجدادهم، وفوّتوا على الخليفيين فرصة تغيير الحقائق على الأرض. وبرغم الاضطهاد والتنكيل، أصرّ البحرانيون الأصليّون على إظهار الولاء للإسلام ونبيه الكريم وأهل بيته، حتى أصبحت أساليب إحيائهم ذكريات أهل البيت مدرسة للآخرين. فأنتجوا العلماء والخطباء والرواديد، ونظّموا مسيرات العزاء بنمطهم الخاص، حتى أن مشاركتهم في مواكب عزاء كربلاء بذكرى الأربعين أصبحت تجذب الآخرين الذين ينتظرون تلك المواكب التي تنطق بالولاء لأهل البيت عليهم السلام، بأساليب مميّزة وانتظام رائع. فالبحرانيون أصحاب تاريخ وحضارة، يشعرون بانتمائهم العربي لعبد قيس وبكر بن وائل، بينما فشل الخليفيون في إثبات انتمائهم للأرض قبل جريمة الاحتلال التي قاموا بها مدعومين بقوات خارجية غاشمة.

الخليفيون لم يقبلوا يوما بهذا الواقع، بل سعوا بشكل دائم لتغيير الهويّة والانتماء، وحاولوا كثيرا منع مجالس العزاء ومواكبه، مستخدمين أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد. فتارة يمنعون الخطباء الأجانب من دخول البلاد لارتقاء المنابر، واخرى يمارسون التضييق على سكان المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية لمنعهم من عبور الجسر من أجل المشاركة في المواكب الحسينية، وثالثة باضطهاد الخطباء والرواديد وإجبارهم على توقيع تعهدات بعدم التعرّض للرموز التي يقدسها الخليفيون مثل معاوية ويزيد، ورابعة باستدعاء رؤساء المآتم وإجبارهم على توقيع تعهدات بمنع المواكب أو تحديد مساراتها بالإضافة لمحاولات تغيير الهتافات التي يرفعها المعزّون. المشكلة العميقة أن الحكم الخليفي أصبح نسخة من الحكم الأموي في عدائه لأهل بيت رسول الله ومن يواليهم. فما أن يهتف المعزّون بشعار ضد الحكم الأموي خصوصا ضد معاوية أو يزيد، حتى يشعر الطغاة الخليفيون أنهم هم المعنيّون بتلك الشعارات، نظرا لانسجام سياساتهم مع السياسات الأموية البغيضة والمعادية للدين والإنسانية. وهكذا تتعدد نقاط التماسّ بين البحرانيين والخليفيين على مدار العام، ولم يستطع الطرفان التعايش معًا. فكان من نتيجة ذلك استخدام الخليفيين كافة أساليب القمع ضد المواطنين، بما في ذلك الاعتقال والسجن والتنكيل وإصدار الأحكام القاسية بحق الأبرياء. وسياسة النظام هنا تقوم على أساس زرع الخوف في نفوس المواطنين، لعلّ ذلك يردعهم عن المشاركة في العزاء الحسيني.

في الفترة الأخيرة صعّد الطاغية وعصابته أساليب الاضطهاد والتنكيل والانتقام من السكّان الأصليين. هذه المرّة عمدوا لسحب جنسيات المعارضين، واعتبروا أنهم هم من يحق لهم التحكم في البلاد وإجراءاتها القانونية بما في ذلك إصدار جواز سفر منسجم مع طبيعة الحكم. ويُعتبر سحب الجنسية إجراء قمعيا وحشيّا، يتعارض مع القوانين الدولية التي تمنع من حرمان المواطنين من الجنسية وجواز السفر. ويعوّل الطاغية وعصابته على فاعلية هذا الإجراء لردع الأحرار عن المشاركة في العزاء الحسيني أو القيام بأنشطة دينيّة منبثقة من الثقافة الشيعية المؤسسة على حبّ آل بيت رسول الله، ورفض من ارتكب جرائم بحقّهم. ويدرك المواطنون خطر هذا المنحى، لذلك يرفضون الانصياع لأوامر القصر الملكي التي تستهدف القضاء التدريجي للشعائر الحسينية. ويظن الطاغية أن إصداره القرارات والقانون التي تجرّم المواطنين الذين يشاركون في إحياء تلك الشعائر سوف يهمّش المشروع الحسيني، ويُعلي كلمة الطغيان الاموي الخليفي، ولكن ما أبعده عن الواقع. فالإيمان الذي تختزنه نفوس البحرانيين لا تستطيع قوة في الدنيا إزالته، لأنه منبثق من الإيمان بالقرآن الكريم ورسالة محمد بن عبد الله. لذلك ستبقى راية الحسين مرفوعة، وسيظل يزيد محاصرا من قبل الأحرار، وستبقى الحرّيّة شعارا يرفعه الأحرار بوجه الطغاة والمستبدّين. ولن يكون عاشوراء هذا العام مختلفا عما سبقه، مهما حاول الخليفيون. وسوف يبقى هتاف “هيهات منّا الذلة” صدًى للثورة الحسينية وسلاحا ضد الاستكبار والاستعباد والخلفنة المقيتة.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
5 يونيو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى