صراع الإرادات بين الشعب البحراني والعصابة الخليفية
لم يَفجر نظامُ حكم في تعامله مع شعبه في العقود الأخيرة كما فعل الحكم الخليفي المقيت. فما من موبقة إلا وارتكبها، وعلى رأس ذلك خيانة الأمّة والتطبيع مع عدوّها. هذا الفجور في الخصومة ليس جديدا بل كان سمة ملازمة للعائلة الخليفية التي أعطت نفسها حقّ التنكيل والاضطهاد بحق السكّان الأصليين (شيعة وسنّة) بجزيرة البحرين. ففي العشرينات من القرن الماضي كان عيسى بن علي يمارس ذلك الاضطهاد ويزيد عليه باستخدام فرق اغتيال متوحّشة عرفت باسم “الفداوية”، كان همّها الأول والأخير إزهاق أرواح البحرانيين بدم بارد. حتى ضجّ الناس وضغطوا على المعتمد السياسي آنذاك، الميجر ديلي، الذي كان يحدث ذلك كله أمام مرآه ومسمعه، لوقف ذلك الاضطهاد الشنيع. وبرغم بعض “الإصلاحات الإدارية” التي قام بها الميجر ديلي إلا أن البريطانيين لم يكونوا متحمسين لمشاريع التنمية السياسية أو المدنية، بل كان همهم الأول ضمان بقائهم في المنطقة واستغلال ثرواتها. لذلك كانت التركة البريطانية ثقيلة، واستمرت آثارها حتى اليوم، بعد أن ورثت حكومات الخليج التركة البريطانية بما فيها من دعم للاستبداد وانتهاك للحقوق ومصادرة للحريات وتجاوز للقوانين.
ثمة حقائق يجدر استحضارها نظرا لارتباطها بأوضاع المنطقة في الوقت الحاضر. أولاها: التكالب الغربي على الشرق الأوسط وسياسات الغرب لضمان تفوق “إسرائيل” عسكريا على الجانب العربي. ثانيها: الدعم المطلق للكيان الإسرائيلي وما يتطلبه ذلك من تدخلات أمريكية مباشرة وغير مباشرة في شؤون المنطقة، بالإضافة لعسكرتها الواسعة. ثالثها: استهداف التوجهات التحرّرية لدى المواطنين وضرب تطلعاتهم الديمقراطية لأن ذلك لا يخدم المشاريع الغربية التي تصرّ على الانحياز للاحتلال على حساب المباديء والقوانين. رابعها: أن توازن القوى الاقليمي لم يعد جامدا كما كان في السابق، بل أنه شهد تحولات ليست لصالح الهيمنة الغربية أو استمرار الاحتلال الإسرائيلي. هذا التوازن أفرز مناطق استقطاب لا تخدم المشاريع الغربية، من الخليج ومضيق هرمز ألى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى الشمال الأفريقي الذي يصر على البقاء ضمن المنظومة العربية – الإسلامية في الصراع ضد الاحتلال والهيمنة. خامسها: بروز مؤشرات نهضة سياسية وفكرية لدى الأجيال العربية الجديدة تبحث عن الهويّة والانتماء وترفض الاستسلام أمام الغرب وسياساته الاستحواذية، وهو أمر يقلق الغرب كثيرا. هذه العوامل مجتمعة تساهم في كسر شوكة الحكام الخانعين والجائرين، وتشد عضد الشعوب المناضلة وتساهم في انتصارها طال الزمن أم قصر.
في ظل هذه الحقائق، يشعر الغربيون بانزعاج كبير من تصاعد الوعي الشعبي إزاء عدد من القضايا. أولا تعمّق الرغبة في الحرّيّة والاستقلال والديمقراطية، ورفض الأنظمة العربية التي تمارس الاستبداد وتصادر الحريات. ثانيا: فشل الاحتلال الإسرائيلي في الاندماج في الثقافة الشرق أوسطية، وبقاؤه خارج الحسابات الفكرية والثقافية لدى شعوب المنطقة. ثالثا: ينزعج الغربيون من وجود أي تقارب بين القوى العربية والإسلامية الكبرى في العالم، خصوصا في المنطقة. فالغربيون يعملون لمنع تقارب حقيقي بين إيران وتركيا ومصر والسعودية وباكستان وأندونيسيا نظرا لما يمثله ذلك من تحدٍّ فاعل للهيمنة الغربية وكذلك للاحتلال الإسرائيلي. هذا في الوقت الذي تتوسع فيه دائرة رفض الاحتلال، ووصول ذلك إلى الجامعات الغربية والمنابر الدولية التي تشعر “إسرائيل” بالغضب من توجهاتها الرافضة للصهيونية. يضاف إلى ذلك تصاعد التعاطف الدولي مع فلسطين وأهلها، وتوسع الحديث عن سياسات الاحتلال والإبادة التي تمارسها قوات الاحتلال. ومع تراجع الدور الامريكي في العالم، يشعر الغربيون ان الوقت ليس لصالحهم، وأن ظاهرة رفض الاحتلال والهيمنة تتوسع بسرعة وأن عليهم إعادة صياغة سياساتهم واستراتيجياتهم لمنع سقوط المشروع الصهيوني بشكل كامل. وقد ساهمت أزمة غزّة وممارسات الاحتلال ضد أهلها في توسع دوائر الرفض الغربي لكيان الاحتلال وداعميه.
ماذا يعني ذلك؟ لا شكّ أن بقاء القضية الفلسطينية في دائرة الاهتمام الشعبي في العالم العربي يمثل مصدرا للوعي العام وتكريسا للمشروع الثوري الذي يدفع الشعوب للثورة من أجل التغيير. وقد دأب شعب البحرين على الاهتمام بقضية فلسطين منذ أن بدأت قبل قرابة ثمانية عقود، وما تزال تحظى باهتمامهم. فهم يرون فيها تجسيدا لمعاناتهم، كشعب يعيش تحت احتلال جهة أجنبية استخدمت أبشع وسائل القوة للسيطرة على البلاد والعباد، ومارست بحق سكان الأرض الأصليين كافة وسائل القمع والظلم والاستئصال الذي يمكن اعتباره “إبادة”. وها هم الخليفيون يواصلون تلك السياسة تارة بالسجن وأخرى بالتعذيب وثالثة بالإعدام، ورابعة بالإبعاد. ويتزامن مع ذلك سياسة أخرى بسحب جنسية السكان الأصليين بشكل متواصل. ويعتبر هذه الإجراء من أكثر الأساليب إيذاء للبحرانيين. فهم يرون أن طغمة جاءت من الخارج واحتلت بلدهم بالقوة، بمساعدة أجنبية، تعمل بشكل متواصل لإبعادهم عن أرضهم واستبدالهم بأجانب يستقدمونهم من أقاصي البلاد. إنهم يعلمون أن الجنسية حق طبيعي لكل بحراني أصلي (من الشيعة والسنّة)، ولا يحق للحاكم سحبها منه، ولكنهم يجدون سحب الجنسية سياسة خليفية منذ قرابة القرن. وكان كل من أحمد بن لاحج وعبد الوهاب الزيّاني من أول من سحبت جنسياتهم في العشرينات من القرن الماضي. وفي الخمسينات سحبت جنسية عبد الرحمن الباكر. وفي الستينات أبعد الخليفيون عددا من النشطاء البحرانيين الذين شاركوا في انتفاضة مارس 1965. وفي يناير 1995 أبعدوا ثلاثة من العلماء الذين شاركوا في الا نتفاضة التي حدثت في ديسمبر 1994.
اليوم يعود الخليفيون لممارسة تلك السياسة التي شجبها العالم وأثبتت عمق الفجوة بين السكان الأصليين (شيعة وسنّة) والخليفيين الذين لم يستطيعوا التعايش معهم أو إقامة منظومة سياسية يشاركون فيها. وهكذا بقيت الأوضاع في البلاد مضطربة بشكل مستمر. فالسجون تكتظ بالمعتقلين السياسيين بدون توقف، والمحاكم الخليفية تصدر أحكامها الجائرة بحق من يعترض على حكم العصابة الخليفية. وعلى هذا الأساس تصاغ القوانين ويتم تشكيل الأجهزة المختلفة لتكون قادرة على كبح جماح من يرفض تلك القرارات والقوانين الجائرة. برغم ذلك، لم يشعر البحرانيون أنهم سيخسرون معركة الحرّيّة التي يخضوضونها، أو أنهم سوف يخسرون بلادهم للمحتلّ الخليفي. بل، على العكس من ذلك، يشعرون بحتمية انتصار الحق واندحار الباطل، وأن الظلم إلى زوال مهما طال بقاؤه. وبسبب هذه المعنويات العالية فشل الخليفيون في فرض سياساتهم على الوطن والشعب. صحيح أنهم استطاعوا إبعاد بعض المواطنين، وسحب جنسية الكثيرين منهم، ولكنها إجراءات سرعان ما تصل نهايتها عندما ينتصر الشعب في حركته السياسية. أليس هذا ما حدث في العام 2001 عندما انتصرت إرادة الشعب وأرغم الطاغية وعصابته على إعادة الجنسيات المسحوبة والسماح بعودة المبعدين؟ هذا السيناريو سوف يتكرر مع استمرار النضال الوطني والصمود الشعبي، ولن يجد الطغاة الخليفيون مفرّا من الإذعان لمطالب الشعب وإلغاء إجراءاتهم القمعية التي شجبها العالم. وسوف يدركون أن تصرفاتهم هذه صبيانية لا تعكس وعيا سياسيا حقيقيا، وأنها تنطلق بدافع الانتقام وليس تطبيق حكم القانون. وسيجدون أنفسهم محاصرين دوليّا حول إجراءاتهم التي يجدها الآخرون ظالمة ومنحرفة ومخالفة للقانون وفارغة من الإنسانية. وما ذلك على الله ببعيد.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
8 مايو 2026