استخدام الجنسية سلاحا سينقلب على الخليفيين
مهما قيل عن النظام الخليفي وجرائمه، فهو قليل لأنه يختلف عن كافة أنظمة العالم بأن جرائمة تتواصل بدون انقطاع منذ أكثر من خمسين عاما. فلم تمر حقبة منذ الانسحاب البريطاني في العام 1971 بدون أن يكون هناك معتقلون سياسيون وتعذيب وتنكيل ومصادرة حقوق واضطهاد بدون حدود. فأنظمة الحكم العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي تمارس القمع والاستبداد، ولكنها تخفف غلواءها أحيانا، فتطلق سراح معتقليها السياسيين، وقد تخلو سجونها فترة من الزمن من أي معتقل سياسي. كما أنها غالبا ما تشارك مواطنيها في الثورة الوطنية ولا تستحوذ عليها بالكامل. كما أنها تتعايش مع مواطنيها ولا تنفصل عنهم، كما يفعل الخليفيون الذين يعيشون في أبراجهم العاجية في مناطقهم الخاصة بهم بدون أن ينصهروا في المجتمع البحراني، فلا يختلطون به اجتماعيا ولا يزاوجونه ولا يشاركونه أفراحه وأتراحه. إنهم عصابة جاءت من الخارج بقوة السلاح مدعومة من قوى أجنبية، واحتلّت البلاد وجثمت على صدور أبنائه ونكّلت به أيما تنكيل. ويكفي أن يُشار إلى الأوضاع الحالية في السجون ليتضح أن بعض هؤلاء قضى أكثر من 15 عاما بالإضافة إلى قترات أخرى قبل حدوث الانتفاضة الشعبية في ذروة الربيع العربي في العام 2011.
في ضوء هذه الحقائق، هل ثمة مبرّر للاعتقاد بإمكان إصلاح نظام الحكم الخليفي؟ هل يمكن ان ينصهر يوما في البوتقة الوطنية؟ هل بإمكانه أن يصبح نظاما ديمقراطيا يفتح الأبواب للمواطنين للمشاركة السياسية؟ هل يمكن أن ينخرط أفراده في مشاريع عمل وطنية على قدم المساواة مع أبناء الشعب؟ هذه أحلام لا يتصورها أحد من المواطنين الذين أصبحوا أمام خيارين: فإما الاستسلام المطلق للإرادة الخليفية أو السعي الحثيث للتخلص من حكمها العائلي واستعادة السيادة الوطنية وسلطة الشعب والحفاظ على البلد ومقدّراته وثرواته. ولطالما راود هذا الحلم أجيالا متعاقبة من البحرانيين الأصليين (شيعة وسنّة) منذ أكثر من مائة عام. وقد دفعت الأجيال لذلك ثمنا باهضا بالسجن والتعذيب والإعدام والنفي ولكنهم لم ييأسوا من حتمية التغيير إذا استمروا في بذل الجهود. فقد أصبح النضال البحراني ينتقل عبر الأجيال، ويتحوّل إلى مدرسة ثورية ما تزال تنتج الأبطال والمناضلين. وفي هذا المضمار يُتوّج نضال بعضهم بالشهادة او السجن أو النفي. وهذه مآلات وطّد البحرانيون أنفسهم عليها. وها هم اليوم يواجهون واحدا من أصعب التحدّيات: تحويل الجنسية إلى سلاح يستخدمه الطاغية ضد البحرانيين الأصليين الذين اشرأبّت جذورهم في تربة البحرين منذ قرون، وسبقوا بذلك آل خليفية الذين دخلوا البلاد محتلّين بعد أن لفظتهم البلدان الأخرى.
من غرائب الدهر أن يصبح الدخيل والمحتل أصحاب القرار. لذلك قامت السياسة الخليفي منذ الاستقلال على أساس تمكين الأجانب وتهميش أبناء البلاد. وكان الطغاة يسعون لتمرير سياساتهم عبر تجارب مختلفة تُخفي حقيقة توجهاتهم. فطرحوا بعد “الاستقلال” مشروعا ديمقراطيا للتظاهر بالتطور والتحضّر، ولكن سرعان ما غلب الطّبع على التطبّع، فانقلبوا على تلك التجربة في العام 1975 بتعليق العمل بالدستور وحل المجلس الوطني. ذلك القرار الإجرامي لم يمنع الشعب من التمرّد على من فرضه، بل ثار عليه وتحدّاه، فدخلت البلاد في حقبة سوداء استمرت ربع قرن، استشهد فيها الكثيرون وتحوّلت البلاد خلالها إلى حالة من التوتر السياسي غير مسبوقة، وأصبحت البحرين مقبرة لحقوق الإنسان، وتلوّثت سمعة العصابة الخليفية أمام العالم، حتى أرغموا على التظاهر بالعدول عن قراراتهم والعودة في العام 1992 لمشروع آخر بتشكيل مجلس استشاري غير ذي جدوى. فما كان من الشعب إلا أن دشّن انتفاضته المباركة في ديسمبر 1994 التي استمرت ستة أعوام واستشهد فيها أكثر من 40 مواطنا. وتواصل العطاء الشعبي حتى قام بكبرى ثوراته في العام 2011 وكشف حقيقة العصابة الخليفية، وكشفها أمام العالم بأنها عصابة قمعيّة تمارس القتل والتعذيب والاستبداد بلا حدود، وأنها لا تصلح للحكم وغير جديرة بثقة السكان الأصليين في البلاد (شيعة وسنة). وهكذا تواصلت الانتفاضات والثورات الهادفة لتغيير الوضع السياسي في البحرين حتى اليوم.
البحرين اليوم ما تزال تعيش مخاض التغيير الذي يرفضه الحكم الخليفي ويصرّ المواطنون عليه. وأمام هذا الاستقطاب السياسي لا يبدو الباب مفتوحا أمام انفراج سياسي حقيقي كبير ما دام الوحش الخليفي ناشبا أظفاره وباسطا ذراعيه. ولكن الشعب لديه قناعة أخرى. فكلما طال بقاء العصابة الخليفية على رأس السلطة تدير أبشع نظام سياسي وأشد أجهزة الأمن توحشا وسادية، ترسّخت أرجلهم في مستنقع الظلم والقتل والتعذيب والتنكيل. وبموازاة ذلك تعمّقت الإرادة الشعبية للتغيير والرغبة الجامحة لإسقاط حكم العصابة الخليفية. لقد أصبح ذلك هدفا استراتيجيا كرّسته تجربة نصف قرن من النضال بعد الاستقلال، وعمّقته في النفوس تصرفات الطاغية الحالي وعصابته في مجال حقوق الإنسان وعلى صعيد الاستبداد والإصرار على رفض حكم القانون المؤسس على دستور يكتبه الشعب. ولما فشلت تلك الاجراءات في كبح جماح شعب يتطلع للحرّيّة، قفز الطاغية في خطوة غير مسبوقة لاستخدام الجنسية البحرانية سلاحا في حربه ضد السكان الأصليين. فأصبح الحاكم الدخيل الذي احتلّ أسلافه البلاد بقوّة السلاح ولم ينتموا يوما للشعب والوطن، مصمّما على إحداث تغيير جذري في التركيبة السكّانية بحرمان أهل البلد الأصليين من الجنسية واستقدام الأجانب وتجنيسهم خارج الأطر القانونية والأعراف العالمية. هذه المرّة أصبح الوضع خارج التصوّر، إذ أصبح على الشعب أن يخوض معركة جديدة تتجاوز المطالبة بالحقوق السياسية واسترداد السيادة الوطنية. أصبح المواطنون هذه المرّة يخوضون ما يعتبرونه “حربا وجودية” متشبثين بأرضهم وبلدهم، ورافضين قرارات الحاكم الذي تفرعن وطغى حتى جاوز الحدود.
إن الصراع من أجل الوجود ذروة ما يمكن أن يصله شعب يسعى للبقاء وإعمار البلاد والحفاظ على السلم الاجتماعي وممارسة دور إيجابي على الصعيد الدولي. فسحب الجنسيات من السكان الأصليين سياسة لم تنتهجها إلا قوات الاحتلال الإسرائيلية التي تهدف، منذ ثمانين عاما تقريبا، لإخلاء فلسطين من أهله الأصليين واستبدالهم بمستوطنين جيء بهم من أقاصي الأرض. لقد كان على الطاغية الخليفي أن يقرأ الملف الفلسطيني ليكتشف حقيقة صادمة له ولداعميه من طغاة الخليج وحكام الغرب، مفادها أن أصحاب الأرض الأصليين يستعصون على محاولات الإفناء والإبادة والاستبدال. فالأرض أرضهم والأجانب لن ينصهروا يوما في البوتقة الوطنية. أليس هذا ما حدث مع الخليفيين أنفسهم؟ ألم يفشلوا على مدى التاريخ في التحوّل إلى بحرانيين كبقية المواطنين؟ فالأجنبي لا يمكن أن يتحوّل إلى عنصر وطني فاعل، تدفعه روابطه بالأرض وتاريخها وإرثها إلى الانصهار في البوتقة الوطنية والتخلي عن الأطماع أو التآمر على البلد وأهله. بينما أثبتت العقود أن الخليفيين ليسوا كذلك، فهم مستعدون لتسليط الأجانب على البلاد والعباد، إذا كان ذلك المنحى سوف يضمن مصالحهم ويُبقيهم حكّاما على الأرض. وهكذا يبدو مشروع تجنيس الأجانب وسحب جنسيّة السكّان الأصليين مغامرة خطيرة مرشّحة للفشل الذريع الذي ستكون أولى نتائجه إنهاء وجود الأجانب وفي مقدمتهم المحتلون الخليفيون إلى الأبد. هذا ليس ضربا من الاحلام، بل هو السياق المنطقي للحوادث التي بدأها الخليفيون، فمن حفر حفرة لأخيه سقط فيها، وأن على الباغي تدور الدوائر وأن الله ينصر عباده المظلومين وأنه لا يُصلح عمل المفسدين، وأن الظالم سوف يعضّ على يديه، وسوف يتحقق ذلك كله بعون الله تعالى.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
1 مايو 2026