بيانات حركة أحرار البحرين

شهيد آخر يلتحق بقافلة الأبطال الخالدين في أوضاع إقليمية متوتّرة

في البداية لا بدّ أن نعزّي شعبنا البحراني باستشهاد الشاب السيد محمد محسن الموسوي الذي عذّبه الخليفيون بوحشية حتى لقي ربّه يوم الجمعة الماضية (27 مارس) عن عمر ناهز الثانية والثلاثين. إن قتل الأحرار جريمة كرّرها الحكم الخليفي إمعانا في الجريمة والظلم والوحشية. لقد صعد الشهيد إلى ربّه ملتحقا بقافلة طويلة من الشهداء الأبطال الذين قدّموا أرواحهم فداء لله والدّين والوطن، فأصبحوا أقمارا في سماء البحرين التي تزداد عتمة باستمرار الحكم الخليفي.

على الصعيد الإقليمي، لا يبدو التحالف الأمريكي – الإسرائيلي موفقا في حربه ضد إيران والمنطقة هذه المرة. فقد كان هذا التحالف الشرّير يعتقد أنه سوف يحسمها في غضون أيام، وأنه سوف يسقط نظام الجمهورية الإسلامية. ولكن ذلك لم يحدث. فبعد أكثر من شهر على بدء العدوان أصبح واضحا أن مخططيه أخطأوا الحساب وأن إيران ما تزال قائمة بنظامها، وأنها قادرة على إلحاق الأضرار بالمعتدين. وربما الأهم من ذلك أن العالم أصبح يحمّل التحالف الشرّير المسؤولية عن الصعود الكبير في أسعار النفط، وأن المواطن الغربي وغيره هو الذي يدفع الثمن باهضا، برغم ما ألحقه العدوان من أضرار مادّيّة وبشرية بالجمهورية الإسلامية. إنها ليست أضرارا عادّيّة، فلو حدثت لبلد آخر لسقط نظامه كاملا. فقد نجم عن ذلك العدوان في أيامه الأولى اغتيال قادة الجمهورية وعلى رأسهم مرشدها وعدد كبير من علمائها وقادتها السياسيين والعسكريين. ومع ذلك لم يحدث ما كان ترامب وعصابته يحلمون به: الاستسلام الكامل. وها هي الدوائر تدور على الرئيس الأمريكي وترتفع الأصوات المطالبة بتنازله عن الرئاسة بعد أن أخذت الحرب ونتائجها الكارثية للغرب نصيبها من صحته وقدراته العقلية. ولم يعد مستبعد أن يجبر على التنازل على أساس فقدانه قواه ا لعقلية التي يتطلبها منصبه.

يقال أن الحرب سجال، كما يقال أن من السهولة بدء الحرب ولكن من الصعوبة وقفها. ويقال كذلك:
لا تحتقر كيد الصغير فربما تموت الأفاعي من سموم العقارب. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. والصبر هنا أحد مفاتيح لغز الصمود الإيراني، بالإضافة للدعم الإلهي الذي لا يغيب عن عباد الله الصالحين، ويتطلب الإيمان بذلك الدعم إيمانا راسخا لدى الطرف الذي يطلبه من الله سبحانه وتعالى. فالله ينزل ملائكته لنصرة المؤمنين الذين يُعدّون ما يستطيعون من أسباب القوّة ثم يتوكّلون على الله لإكمال المهمّة.

حتى الآن، بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب، لا يبدون ثمة رجحان لطرف على آخر. هذا يعني فشلا عسكريا وأخلاقيا ذريعا لأمريكا. فلم تستطيع حسم الحرب برغم تفوقها العسكري الهائل. أما البعد الآخر فيتمثل بالهبوط الأخلاقي الذي يعبّر عنه زعماء أمريكا وعلى رأسهم رئيسها ووزير خارجيتها. فها هو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يقول عن النظام الإيراني : هذا نظام يقوده أناس يعتقدون أن رسالتهم وهدفهم في الحياة هو إحداث نهاية العالم. هؤلاء هم من يريدون الأسلحة النووية. إنه تضليل غير مبرّر، يطلقه وزير خارجية كبرى دول العالم، بدلا من طرح المبرّرات الأخلاقية لشن عدوان على بلد آمن واستهداف رموزه الدينية وإثارة مشاعر مئات الملايين من المسلمين. بينما كان بإمكانه طرح الأسباب السياسية بدلا من الخوض في قضايا القيم والأخلاق التي تجمع شعوب العالم على أن أمريكا هي الأبعد عنها. ويكفي الإشارة لسياسة الأرض المحروقة ومن عليها في فيتنام ولاوس، واجتياج البلدان بدون تفويض دولي، والتفرّد بشنّ ا لحروب برغم وجود أكبر حلف عسكري في العالم تنتمي له أمريكا وهو حلف الناتو. فحين لا تستطيع أمريكا أن تقنع دولة واحدة للانضمام إليها في عدوانها، فأين هي الحصافة السياسية والدبلوماسية؟ وأين هو المنطق السويّ الذي يستهوي الآخرين؟

لم يعد جديدا القول أن سياسة الإبادة التي تنتهجها أمريكا ليست قديمة، ولم تنته في فيتنام، بل هاهي تتكرر في الحرب الحالية بشكل مقزز. فماذا يعني استهداف مدرسة الأطفال بمدينة ميناب الإيرانية وإزهاق أرواح قرابة 200 من أطفالها، وتمزيق أشلائهم بالصواريخ والقنابل؟ أهذه هي القوّة؟ أهكذا تُصنع الغلبة؟ وهل بهذا الأسلوب يتم إحلال ا لسلام الاقليمي والعالمي؟ هذه المشاهد ليست غريبة على القوى التي انسلخت من إنسانيتها، فما أكثر مشاهد التدمير التي شاهدها العالم في غزّة قبل بضعة شهور فحسب، وما أرخص الإنسانية في قاموس المحتلّين والمعتدين. هذا الرئيس الأمريكي الذي كان يسعى لخداع العالم بمحاولاته المتواصلة لنيل جائزة “نوبل” للسلام هو نفسه الذي أشرف على قتل مئات الأطفال وتدمير آلاف المنازل وهدم الأبراج السكنية على رؤوس ساكنيها. فما قيمة هذا “الانتصار” الذي ستحققه أمريكا، إن حدث؟ هذا التنمّر غير المسوق في السياسة الدولية كان من بين أسباب إحجام العديد من دول الناتو عن المشاركة في حرب ترامب. ولم تُخف أسبانيا رفضها المشاركة في العدوان أو منح أمريكا حق استخدام القواعد والمطارات العسكرية الأسبانية. وبرغم التهديدات الأمريكية للدول ا لتي ترفض مسايرتها بقطع الدعم المالي والعسكري عنها، لم تُعلن أية دولة دعمها للعدوان الأمريكي، برغم ما يضمره أغلب هذه الدول من حساسية تجاه إيران والإسلام. هذا يعني أن المنطق الأعوج والقيادة الرعناء للرئيس الأمريكي والأهداف الخفيّة للحرب والدعم المطلق لكيان الاحتلال، كل ذلك دفع الدول للإحجام عن المشاركة، فانكشف ترامب على حقيقته، وأنه شغوف بالحروب والنزاع والقتل.

يخطيء من يعتقد أن الحرب التي شنتها أمريكا على إيران سوف تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط أو العالم. صحيح أن أمريكا تحوّلت إلى بعبع مخيف، ولكن الصحيح أيضا أنها أصبحت مصداقا للتعجرف والغرور وتجاوز القوانين الدولية وتهميش المؤسسات الكبرى خصوصا الأمم المتحدة. والصحيح كذلك أنها تسعى للهيمنة من خلال بث الرعب وليس بالمنطق والقانون. وتؤكد حقائق التاريخ أن الأمم التي تعتمد أساسا على القوّة المادّيّة والعسكرية لا تدوم طويلا، فالشعوب لديها ذاكرة وشعور عميق بالكرامة، ولا يمكن تصفية الشعوب بالقنابل والصواريخ، كما لا يمكن كسر شوكتها بالدعاية المضادّة او التهديد بالتصفية أو التجويع. وها هو شعب غزّة يتحدّى أساليب العدو وأعوانه ويبقى صامدا وشامخا، وتنكسر على صخور صموده أسنّة المحتلين وداعميهم في أمريكا وأوروبا. وعلى مدى ثمانية عقود متواصلة فشل الاحتلال وأعوانه في التعايش السلمي مع العالم، وبقي يدور في حلقة تدور من الحروب والصراعات بدون أن يحسم أيّا من الحروب التي خاضها برغم ما لديه من قوّة وعتاد. وقد حان الوقت لزعماء الغرب أن يستوعبوا حقائق التاريخ والجغرافيا وأن يذعنوا للحقيقة التي لا مراء فيها: ان الاحتلال لا يدوم، وأن الظلم لا ينتصر، وأن المظلوم لا يستسلم. فإذا كانت هذه الدروس لم تُستوعب بعد، فإن الغرب مطالبٌ بمراجعة تاريخه المعاصر الذي يحتوي صفحات سوداء من الظلم والاحتلال ليكتشف أن تلك السياسة لم تنه الصراع من أجل الحق والعدل والحرّيّة.

ليس مستبعدا أن يكون العالم قد بلغ نقطة اللاعودة في الصراع الأممي الذي تحرّكه مشاعر الظلامة والغبن، وأنّ مستقبله سيظل محفوفا بخطر الانزلاق إلى حروب طاحنة لا تبقي ولا تذر. ومن آفات الحضارات السابقة تورّطها في الحروب وسعيها لفرض الهيمنة بقوّة السلاح. وهذا ما تمارسه أمريكا اليوم، بقيادة دونالد ترامب الذي طغى وتجبّر وتجاوز حدود اللباقة والإنسانية في تعامله مع المظلومين والمستضعفين، ورفع عقيرته دفاعا عن المحتلّين والظالمين. وإنه لأمر محتوم أن تدور عليه الدوائر وتسحقه إرادة الأحرار الرافضين لهيمنة أمريكا وغطرستها. وحتى لو تأخر حدوث ذلك فسوف يأتي اليوم الذي ينزل الله فيه غضبه على القوم الظالمين. وما أقوى فعل الصلاة والدعاء والإنابة إلى الله في هذه الظروف.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
3 أبريل 2024

زر الذهاب إلى الأعلى