لن يتأخر الوعد الإلهي بسحق الظّالمين وحماية المظلومين طويلا
لا يبدو التحالف الأمريكي – الإسرائيلي موفقا في حربه ضد إيران والمنطقة هذه المرة. فقد كان هذا التحالف الشرّير يعتقد أنه سوف يحسمها في غضون أيام، وسوف يسقط نظام الجمهورية الإسلامية. ولكن ذلك لم يحدث. فبعد أكثر من شهر على بدء العدوان أصبح واضحا أن مخططيه أخطأوا الحساب وأن إيران ما تزال قائمة بنظامها، وأنها قادرة على إلحاق الأضرار بالمعتدين. وربما الأهم من ذلك أن العالم أصبح يحمّل التحالف الشرّير المسؤولية عن الصعود الكبير في أسعار النفط، وأن المواطن الغربي وغيره هو الذي يدفع الثمن باهضا، برغم ما ألحقه العدوان من أضرار مادّيّة وبشرية بالجمهورية الإسلامية. إنها ليست أضرارا عادّيّة، فلو حدثت لبلد آخر لسقط نظامه كاملا. فقد نجم عن ذلك العدوان في أيامه الأولى اغتيال قادة الجمهورية وعلى رأسهم مرشدها وعدد كبير من علمائها وقادتها السياسيين والعسكريين. ومع ذلك لم يحدث ما كان ترامب وعصابته يحلمون به: الاستسلام الكامل. وها هي الدوائر تدور على الرئيس الأمريكي وترتفع الأصوات المطالبة بتنازله عن الرئاسة بعد أن أخذت الحرب ونتائجها الكارثية للغرب نصيبها من صحته وقدراته العقلية. ولم يعد مستبعدا أن يُرغم على التنازل على أساس فقدانه قواه العقلية التي يتطلبها منصبه.
يقال أن الحرب سجال، كما يقال أن من السهولة بدء الحرب ولكن من الصعوبة وقفها. ويقال كذلك:
لا تحتقر كيد الصغير فربما تموت الأفاعي من سموم العقارب. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. والصبر هنا أحد مفاتيح لغز الصمود الإيراني، بالإضافة للدعم الإلهي الذي لا يغيب عن عباد الله الصالحين، ويتطلب الإيمان بذلك الدعم اعتقادا راسخا لدى الطرف الذي يطلبه من الله سبحانه وتعالى. فالله ينزل ملائكته لنصرة المؤمنين الذين يُعدّون ما يستطيعون من أسباب القوّة ثم يتوكّلون على الله لإكمال المهمّة.
حتى الآن، بعد مرور أكثر من 40 يوما على اندلاع الحرب، لا يبدو ثمة رجحان لطرف على آخر. هذا يعني فشلا عسكريا وأخلاقيا ذريعا لأمريكا. فلم تستطيع حسم الحرب برغم تفوقها العسكري الهائل. أما البعد الآخر فيتمثل بالهبوط الأخلاقي الذي يعبّر عنه زعماء أمريكا وعلى رأسهم رئيسها ووزير خارجيتها. فها هو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يقول عن النظام الإيراني : “هذا نظام يقوده أناس يعتقدون أن رسالتهم وهدفهم في الحياة هو إحداث نهاية العالم. هؤلاء هم من يريدون الأسلحة النووية.” إنه تضليل غير مبرّر، يطلقه وزير خارجية كبرى دول العالم، بدلا من طرح المبرّرات الأخلاقية لشن عدوان على بلد آمن واستهداف رموزه الدينية وإثارة مشاعر مئات الملايين من المسلمين. بينما كان بإمكانه طرح الأسباب السياسية بدلا من الخوض في قضايا القيم والأخلاق التي تُؤمن شعوب العالم على أن أمريكا هي الأبعد عنها. ويكفي الإشارة لسياسة الأرض المحروقة في فيتنام ولاوس، واجتياج البلدان بدون تفويض دولي، والتفرّد بشنّ الحروب برغم وجود أكبر حلف عسكري في العالم تنتمي له أمريكا وهو حلف الناتو. فحين لا تستطيع أمريكا أن تقنع دولة واحدة للانضمام إليها في عدوانها، فأين هي الحصافة السياسية والدبلوماسية؟ وأين هو المنطق السويّ الذي يستهوي الآخرين؟ ولماذا التهديد المتواصل بالانسحاب من الناتو؟
لم يعد جديدا القول أن سياسة الإبادة التي تنتهجها أمريكا ليست قديمة، ولم تنته في فيتنام، بل هاهي تتكرر في الحرب الحالية بشكل مقزز. فماذا يعني استهداف مدرسة الأطفال بمدينة ميناب الإيرانية وإزهاق أرواح قرابة 200 من أطفالها، وتمزيق أشلائهم بالصواريخ والقنابل؟ أهذه هي القوّة؟ أهكذا تُصنع الغلبة؟ وهل بهذا الأسلوب يتم إحلال السلام الاقليمي والعالمي؟ هذه المشاهد ليست غريبة على القوى التي انسلخت من إنسانيتها، فما أكثر مشاهد التدمير التي شاهدها العالم في غزّة قبل فترة وجيزة فحسب، وما أرخص الإنسانية في قاموس المحتلّين والمعتدين. هذا الرئيس الأمريكي الذي كان يسعى لخداع العالم بمحاولاته المتواصلة لنيل جائزة “نوبل” للسلام هو نفسه الذي أشرف على قتل مئات الأطفال وتدمير آلاف المنازل وهدم الأبراج السكنية على رؤوس ساكنيها. فما قيمة هذا “الانتصار” الذي ستحققه أمريكا، إن حدث؟ هذا التنمّر غير المسوق في السياسة الدولية كان من بين أسباب إحجام العديد من دول الناتو عن المشاركة في حرب ترامب. ولم تُخف أسبانيا رفضها المشاركة في العدوان أو منح أمريكا حق استخدام القواعد والمطارات العسكرية الأسبانية. وبرغم التهديدات الأمريكية للدول التي ترفض مسايرتها بقطع الدعم المالي والعسكري عنها، لم تُعلن أية دولة دعمها للعدوان الأمريكي، برغم ما يضمره أغلب هذه الدول من حساسية تجاه إيران والإسلام. هذا يعني أن المنطق الأعوج والقيادة الرعناء للرئيس الأمريكي والأهداف الخفيّة للحرب والدعم المطلق لكيان الاحتلال، كل ذلك دفع الدول للإحجام عن المشاركة، فانكشف ترامب على حقيقته، وأنه شغوف بالحروب والنزاع والقتل.
يخطيء من يعتقد أن الحرب التي شنتها أمريكا على إيران سوف تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط أو العالم. صحيح أن أمريكا تحوّلت إلى بعبع مخيف، ولكن الصحيح أيضا أنها أصبحت مصداقا للتعجرف والغرور وتجاوز القوانين الدولية وتهميش المؤسسات الكبرى خصوصا الأمم المتحدة. والصحيح كذلك أنها تسعى للهيمنة من خلال بث الرعب وليس بالمنطق والقانون. وتؤكد حقائق التاريخ أن الأمم التي تعتمد أساسا على القوّة المادّيّة والعسكرية لا تدوم طويلا، فالشعوب لديها ذاكرة وشعور عميق بالكرامة، ولا يمكن القضاء عليها أو إخضاعها بالقوّة، فقد تلوذ بالصمت ولكنها لا تستسلم. يقول الشهيد محمد باقر الصدر الذي تمرّ هذه الأيام الذكرى السادسة والأربعون لاستشهاده: إن الشعوب قد تُهزم ولكنها لا تستسلم. ولذلك صمد شعب العراق حتى خلّصه الله من طاغيته، فكان عبرة لغيره عندما حاكمه ضحاياه، ثم عُلّق على المشنقة بعد إدانته بتهم كثيرة. وهكذا تمر أيام التاريخ، لتكشف النهاية المرّة للطغاة وتُعيد للضحايا كرامتهم أحياء أو أمواتا. فالله يمهل الظالمين ولكنه لا يهملهم، وإن يوم المظلوم على الظالم أشدُّ من يوم الظالم على المظلوم.
هذه السنن الإلهية تنطبق على الطغاة، وعلى الأمم التي ترتكب الموبقات وتسير بعكس الاتجاه الذي يريده الله، فيشعر حكّامها أنهم بلغوا ذروة القوّة وأنّ أحدا لا يستطيع أن ينازعهم الأمر، فمن يفعل ذلك يلق جزاءه. ولا يمكن أن تكون أمريكا خارج دائرة الأخذ الإلهي التي تكرر ذكرها في القرآن: “وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد”. لقد تجاوزت أمريكا الحدود وارتكبت الموبقات بحق الشعوب، وظنّت أن ما لديها من قوة عسكرية مفرطة سوف يحميها من القدر، وذلك لسبب واحد: إن حكّامها لم يقرأوا التاريخ جيّدا، حتى تاريخ بلدهم. فلم تمض سوى خمسين عاما على الهزيمة النكراء التي تعرّضت لها أمريكا في فيتنام، وكيف هرع جنودها للهرب من سايجون في آخر طائرة غادرت المنطقة، وهم يجرّون أذيال الهزيمة ويبحثون عن الأمن بعيدا عن ساحة المعركة. وتكرر هرب الأمريكيين في العقدين الأخيرين. ففي بداية العام 1994 انسحب الجنود الأمريكيون بعد معركة مقديشو الدامية عام 1993، المعروفة بـ “سقوط الصقر الأسود” التي قتل فيها 18 جندياً أمريكياً. وقبله فرّ الأمريكيون من لبنان بعد تفجير مقر المارينز في بيروت يوم 23 أكتوبر 1983، الذي أسفر عن مقتل 241 عسكرياً أمريكياً، ودفعهم إلى انسحاب سريع و”هروب” القوات الأمريكية من لبنان في أوائل عام 1984. وليس بعيدا أن يواجهوا مصيرا مماثلا في الفترة المقبلة نتيجة ما ارتكبوه من جرائم اغتيال وقتل وتدمير هائل في المنطقة، فذلك جانب من العقاب الإلهي الذي لا يفلت منه المجرمون، وهو حتمية لا مفرّ منها لأنها وعدٌ إلهيّ لعباده المؤمنين والمظلومين: إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحبّ كلّ خوّان كفور. هذا هو المأمول، والله وحده القادر على نصر عباده الصابرين المحتسبين.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
10 أبريل 2026