رُبّ ضارّة نافعة: بصيص أمل يلوح في عتمة ظروف المنطقة
سجون البحرين مكتظة بمعتقلي الرأي، لا يكاد يغادرها سجين حتى يُستبدل بعدد أكبر. مضى على هذا الحال أكثر من نصف قرن، وما يزال التوتر في العلاقات بين الشعب البحراني الأصلي (شيعة وسنّة) يحول دون التحوّل إلى دولة حديثة يحكمها دستور يكتبه الشعب وحكومة تمثله. في هذه الأثناء تحدث الحروب وتتوقف، ويُعلن عن تحالفات ما تلبث ان تتلاشى، وتُطلق التصريحات عن “إصلاحات” محلّيّة أو إقليمية، ولكنها لا تتبلور في مشاريع حقيقية. فالحكم القبلي التوارثي لم يتطوّر أبدًا، ولكن “التطور” ينحصر في تصعيد القمع وأدواته وأساليبه. إنها دوّامة من الاضطراب السياسي لا تتوقف وحلقة دوران مفرغة لا توصل إلى ساحل الأمان الذي قضى الشعب نصف قرن باحثا عنه تارة بالمطالبة وأخرى بالاحتجاج والتظاهر وثالثة بمقاطعة مشاريع العصابة الحاكمة. وفي طل المراحل، بقيت السجون مفتوحة، وتطوّرت أساليب القمع والتنكيل، وسعى الحكم لشرعنة التعسف والتعذيب بتشكيل منظماته الخاصة التي تدافع عنه في المنابر الدولية. والواضح أن رموز الحكم الحاليين قد فشلوا في إقناع العالم بقدرتهم على إحداث تحول ديمقراطي وقيمي، ويُفترض أن يشعر داعموهم في واشنطن ولندن بحرج شديد، لأنهم يدعمون أنظمة سياسية استبدادية أثبتت التجربة عدم قدرتها على التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان.
وبعد عقود من النضال الوطني الذي لم يتوقف، قرّر الحكم الخليفي توسيع دائرة علاقاته، فقام بالتطبيع مع كيان الاحتلال، معتقدا أنه سوف يدعم مشاريعه الأمنية ويمنحه شهادة حسن سلوك من أمريكا والغرب. مع ذلك لم يستطع إخماد الحراك الوطني الذي يستفيد من أيّة فرصة للتعبير عن وجوده. لكن الحكم الخليفي لم يتوقف عن أساليب القمع والاضطهاد خصوصا عندما يتصاعد الحراك، سواء في الشارع أم في السجون. فالمعتقلون السياسيون أصبحوا غصّة في حلق الخليفييين. فبرغم ما يتعرّضون له من تعذيب وتنكيل واضطهاد متواصل، لم يتوقفوا عن الإضرابات والاحتجاجات داخل السجون، تارة مطالبين بالإفراج عنهم وأخرى بتلبية مطالب الشعب. والكل يعلم أن تلك المطالب المشروعة مرفوضة جملة وتفصيلا من قبل الحكم. فكيف يسمح آل خليفة بإقامة منظومة سياسية عصريّة على أساس دستور عقدي وتمثيل عادل وصلاحيات شعبية بالشراكة السياسية. كيف يقبل الطاغية الذي قرّر منذ أن استلم الحكم في نهاية التسعينات تحويل البلاد إلى مملكة خليفية خاصة، أن يغيّر ذلك المسار وفق ما يريده الشعب وما تقتضيه مسلتزمات إقامة دولة حديثة؟ ولذلك لم يتوقف النضال الشعبي، كما لم تغلق السجون أبوابها ولم يُفرج عن السجناء السياسيين الذين قضى بعضهم أكثر من 15 عاما في حقبة ثورة 14 فبراير، بالإضافة لفترات طويلة قضوها مسجونين قبل ذلك. وكذلك تستمر ممارسة التعذيب لكسر شوكة أحرار البلاد، وكان الشهيد السيد محمد الموسوي آخر ضحاياها.
اليوم تمر المنطقة بمخاضات صعبة في ظل المحاولات الغربية للسيطرة على منابع النفط ومسارات شاحناته. ويصعب التنبؤ بما سينجم عن تلك المخاضات بعد أن تصاعدت المواجهات بين أمريكا وإيران، وتحوّلت الأزمة إلى صراع وجودي يُضاف إلى جوانبه السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى الجانب العربي، تخوض حكومات دول مجلس التعاون صراعات مختلفة. فبينما يواصل الحكم السعودية سياسات التصفية وقطع الرؤوس لإخماد الأصوات المعارضة، تمر علاقاته مع الإمارات بحالة من التوتر يُتوقع أن تنعكس على مسار مجلس التعاون الخليجي نفسه. كما أن الكويت التي كانت يوما متميزة عن بقية المشيخات الخليجية بدستورها وانتخاباتها ومجلس أمّتها، تراجعت كثيرا وتحوّلت إلى نظام قمعي شرس. وما الاعتقالات الأخيرة التي طالت المئات من المواطنين في الأسابيع الأخيرة إلّا مؤشر للمنحى الكويتي الذي انقلب على تجربة البلد منذ الاستقلال في العام 1961، والتحق بركب الاستبداد والقمع الذي تسير عليه حكومتا البحرين والإمارات. ومن المؤكد أن ما يحدث في الكويت سوف يؤثر على السجال حول الوضع الخليجي وما إذا كان بإمكان إحدى العائلات الحاكمة أن تتخلى عن نمط الحكم العائلي وتحتضن تجربة ديمقراطية تحمل سمات التطور والانفتاح والإصلاح السياسي. كما أن من المؤكد كذلك أن أوضاع الكويت المضطربة واكتظاظ سجونها بالمئات من الأحرار، ستلقي بظلالها على مسارات التنمية في المنطقة وعلى العلاقات بينها وبين دول العالم.
وفي ظل الأوضاع السياسية والعسكرية في منطقة الخليج ليس مستبعدا أن ينجم عن ذلك أوضاع جديدة تفرض التوجه لقدر من الانفتاح السياسي والتطوير. فليس هناك إجماع غربي على الحرب التي شنها التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على إيران. فهناك حقيقة جديدة في العلاقات الدولية، مفادها أن هناك تراجعا في الدعم السياسي الدولي للكيان الإسرائيلي. ويعبّر عن ذلك مواقف بعض الدول الغربية ومنها بريطانيا التي صرّحت وزيرة خزانتها، ريتشيل ريفز، مؤخرا بان الحرب الامريكية – الإسرائيلية على إيران “خطأ استراتيجي” أضعف أمن العالم وهمّش الدبلوماسية. وهذا تصريح نادر، حيث اعتادت الدول الغربية دعم السياسات الإسرائيلية مهما كانت دوافعها. كما أن الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة لم يحقّق لكيان الاحتلال ما يبحث عنه من أمن، بل، على العكس من ذلك، تسارعت الجهود لدعم أهل عزة وكسر الحصار الإسرائيلي عليها. وهناك أكثر من مبادرة لتسيير قوافل الإغاثة من أوروبا لإنقاذ أهلها من الجوع الناجم عن الحصار الاسرائيلي. ويصعب على أمريكا وأوروبا التصدّي لأساطيل الإغاثة التي تنقل المعونات وعلى ظهرها المئات من النشطاء الإنسانيين وممثلي منظمات الإغاثة الدولية. وهكذا أصبح ترامب ونتنياهو في مأزق سياسي واخلاقي حقيقي، وهو مأزق يضغط كذلك على الأنظمة العربية التي تدعم الاحتلال وتتصدى لإيران. إنها مرحلة صعبة في تاريخ الصراع من أجل الحرّيّة والعدالة، لن تستطيع دول الغرب احتواءه بسهولة.
في هذا الخضمّ يلوح للشعوب الباحثة عن الحرّيّة بصيص أمل بحتمية التغيير. فقد فشلت أنظمة الدول المتحالفة مع الاحتلال في كسر شوكة شعوبها الباحثة عن الحرّيّة. وأصبحت أمريكا بشكل خاص متهمة بدعم الاحتلال والاستبداد معًا، وظهر حكام الخليج في حالة ضعف إنساني أمام حملات الإغاثة، وخوار سياسي أمام شعوبهم. ولم تعد السعودية قادرة على تجاوز هذه الحقائق، خصوصا بعد الحرب الأخيرة التي شنها التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وفشل تلك الحرب في هزيمة الجمهورية الإسلامية أو انتصار “إسرائيل” وداعميها. بل أن ذلك سيضغط بشكل كبير على الأوضاع السياسية في المنطقة من جهة وعلى زعماء الغرب من جهة أخرى لإعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، وضرورة الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها وممارسة دور مرموق لإحلال الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة. ويكفي الإشارة إلى أن التهديد بغلق مضيق هرمز كان كافيا لخلق أزمة اقتصادية في الغرب من شأنها أن تدفع الشعوب الغربية للاحتجاج ضد السياسات التي أدّت لارتفاع أسعار البنزين في محطات الشحن. ولا شكّ أن حكومات الغرب تدرك ذلك جيدا، وسوف تجد نفسها مطالبة بموقف جديد، بين الاستمرار في دعم الاحتلال والاستبداد وما ينجم عن ذلك من تفاقهم للاوضاع الأمنية والسياسية وارتفاع أسعار النفط، أو إعادة النظر في الاستراتيجية الغربية في الشرق الاوسط باتجاه تخفيف دعم الاحتلال وتشجيع التحول الديمقراطي واحترام الشعوب العربية من جهة أخرى. وستكشف الأسابيع القليلة المقبلة نتائج هذا الصراع والسباق، والأمل أن تسود الحكمة والعقل والإنسانية ليكون المسار إنسانيا، فتتحقق بذلك أحلام السلام والاستقرار وتتعمّق مشاعر الحرّيّة وتستعيد الشعوب حقوقها المسلوبة وفي مقدمتها تقرير المصير والشراكة السياسية من خلال تحول ديمقراطي حقيقي.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
17 أبريل 2026