حربٌ غير مقدّسة، خارج الشرعيّة الدولية
حرب ليست كبقية الحروب، بل عدوان على المنطقة من تحالف معادٍ لشعوبها. إنها وجه جديد للاستعمار القديم الذي كافحت شعوب العالم للتخلص منه. فهو مدعوم بالامبريالية العالمية، وحليف للصهيونية التي تعيث في المنطقة فسادا وتخريبا وقتلا. وها هي الحرب التي شنّها التحالف الامريكي – الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتحوّل إلى أزمة تتفاقم وليس مستبعدا أن تتوسع لتأخذ أبعادا عالمية. وهي حرب من صنع أمريكا و “إسرائيل”، يعارضها الأحرار ويعملون لوقفها لأنها لن تنتج إلا الدمار والخراب، ولن تؤدّي إّلا لمزيد من الاضطراب والتوتر وانعدام الأمن. ومنذ أن بدأت توسعت دائرة استهداف الأحرار في بلدان المنطقة، بسبب معارضتهم لها ورفضهم تحويل المنطقة مجددا إلى بؤرة من الجحيم والموت. فليس هناك مبّرر للعدوان الأمريكي – الإسرائيلي، ولا تصمد دعاواهم وحججهم أمام الدليل والبرهان والمنطق السويّ. فالذي يملك السلاح النووي هو كيان الاحتلال. أما إيران فقد أخضعت منشآتها النووية للإشراف الدولي ولا تمتلك سلاحا نوويا. وقد كشف العدوان الأخير صدق القيادة الإيرانية في دعواها المتكررة بعدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، وأنها ترفض امتلاك ذلك السلاح انطلاقا من قناعاتها الدينية. هذا على العكس من القيادات الغربية التي تعتبر امتلاك السلاح النووي ضرورة لحماية الأمن الأمريكي والأوروبي. ولذلك يمكن النظر الى الأزمة القائمة حاليا أنها، في بعض مفاصلها، صراع أيديولوجي تحرّري يسعى لإقامة عالم خال من أسلحة الدمار الشامل خصوصا السلاح النووي الذي أثبت قدرته على إلحاق دمار شامل بالإنسانية.
الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و “إسرائيل” عدوان مكشوف، لا يحظى بدعم دولي ولا يستند إلى قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي. ولذلك فهي حرب جائرة وعدوان سافر، وهي مرشّحة للتوسع إذا لم تتخذ الدول الداعمة للاحتلال قرارا بوقفها فورا. وإن من العار لهذا العالم أن يسمح لنفسه بالارتهان لقرار قادة الاحتلال وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو وعصابته. كما أن من غير المقبول بقاء الحكومات العربية صامتة على ما يجري. فإذا ترك الأمر لقوات الاحتلال فإنها سوف تتغذى بإيران وتتعشى بالدول العربية. هذا ما يدركه الحصيفون الذين يقرآون حقائق الواقع بخلفية تاريخية ومنطقية. فهذا الكيان المفروض على الأمة يزدد عدوانا كلما قوبلت جرائمه بالصمت من المجتمع الدولي. هذا المجتمع الذي يفترض أن تمثله الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أصبح مرتهنا للدول الكبرى التي تفرض هينتها على المؤسسات الدولية لتمرير خططها بشكل انتقائي بغيض. لذلك تتعمق الخشية من انتشار الحرب ومعها سيل الدماء وفقد الأرواح واحتلال الأرض وتوسع دائرة الاحتلال. وبرغم تلكؤ الأنظمة العربية عن تقديم الدعم للشعب الفلسطيني أو القوى المتصدّية للعدوان الاسرائيلي، فإن مواقف الشعوب العربية منسجمة مع بعضها ومتوحّدة في شجب العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران. وإذا كانت أمريكا تسعى لبث الرعب في نفوس العرب والمسلمين بما يرتكبونه من جرائم ضد الإنسانية في مسارهم العسكري المتواصل، فقد أكدت التجارب الإنسانية أن الشعوب لا تستسلم ولا تموت، ولا تدعم العدوان، ولا تنحاز للظلم والاحتلال.
لذلك تقف شعوبنا العربية والإسلامية ضد العدوان، لعلمها أنه لن يتوقف عند حدود، بل سيسعى القائمون به لتوسيع دائرته حتى يتم إخضاع الدول والشعوب العربية وإجبارها على قبول الاحتلال. وشعبنا البحراني أحد الشعوب التي رفضت بوضوح وثبات الحرب التي شنها التحالف الامريكي – الإسرائيلي على إيران، وخرج في تظاهراته معلنا موقفه الواضح والثابت الذي يرفض الحرب كوسيلة لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم. هذا الشعب يتمتع بحس مرهف وضمير يقظ، وطالما أعلن مواقفه ضد العدوان والاحتلال والاستعمار.
يتم هذا الإعلان عبر التظاهرات والاحتجاجات والوقفات المنظمة، وكذلك من خلال التصريحات والبيانات. فلديه وعي فطري يدفعه لرفض العدوان أيًّا كان مصدره، ويتضامن مع ضحاياه على تعدد أعراقهم ولغاتهم وثقافاتهم. فالقيم الإنسانية واحدة، والحق والظلم والعدوان كلها مصاديق يفهمها البشر أينما كانوا، ولا تختلط في عقولهم أبدا. لذلك تكون المواقف عادة متسقة ومبدئية ومتشابهة لأنه تعبّر عن نزعة إنسانية واحدة ضد الظلم والاحتلال. وحتى عندما تضغط أمريكا وحلفاؤها على حكومات الدول العربية لمسايرتها في سياساتها فإن الشعوب تمثل صمام الأمان وتمنع انحياز بلدانها للظالم وتصر على مساندة المظلوم. وهذه مواقف لا يعجب الدول الغربية التي دأبت على العدوان وسعت بشكل منظم لتهميش العمل الدولي المشترك ومنع المؤسسات الدولية خصوصا الأمم المتحدة من تفعيل أدوارها الضرورية لإحلال الامن والسلم الدوليين.
الحرب الحاليّة تجاوزت الحدود واخترقت القيم الإنسانية والحضارية، فتحوّلت إلى حرب استنزاف لا يمكن لأحد تحقيق انتصار فيها، بل أن الجهات التي بدأت بالعدوان ستجد إمكاناتها وقدراتها مستنزفة بشكل مستمر، وسوف تعاني من أعباء الإنفاق العسكري خصوصا مع تصاعد أسعار النفط نتيجة غلق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. وبرغم محاولات أمريكا الضغط على إيران لفتح المضيق، فما تزال الناقلات النفطية عاجزة عن العبور إلا بالنزر اليسير وبعد أن تدفع كل ناقلة مليوني دولار للإيرانيين الذين يشرفون على عبور المضيق.
وإذا كانت التكلفة الاقتصادية النتيجة الأولى للعدوان، فهناك مظاهر أخرى لذلك، سياسية وثقافية. فمنذ العدوان الامريكي – الإسرائيلي على إيران سعت الأقلام الحرّة لتوضيح الحقائق وبلورة موقف دولي شبه موحّد بهدف الضغط على القائمين بذلك العدوان. ووجدت الأوساط الليبرالية مجالا لإعادة بلورة التوجه الثقافي في العالم لغير صالح الاستعمار والاحتلال، الأمر الذي بدأ ينعكس على المواقف الشعبية في الكثير من البلدان الغربية، فشارك المواطنون في التظاهرات والاحتجاجات ضد الحرب وارتفعت الأصوات المطالبة بوقفها. وبدلا من فرض عزلة سياسية على إيران، أصبحت أمريكا وإسرائيل هما المستهدفتين بالشجب والاستنكار من ذوي الأقلام الحرّة. فالتفوق العسكري لم يعد الفيصل في المواقف والتوجهات، بل أصبح يمثل استفزازا للضمير الإنساني الذي يتحسس الظلامة التي يمارسها التحالف الامريكي – الإسرائيلي ولا تطربه سوى نغمات الحرّيّة وصرخات التحدّي من الشعوب التي أصبحت ضحيّة للعدوان والاحتلال. فمنذ عقود ثمانية بلورت قضية فلسطين مواقف سياسية وأيديولوجية وثقافية في أوساط القطاعات المثقفة في مناطق شتى من العالم، تدعو لتحرير فلسطين ووقف التمدد الامبريالي الاستعماري الذي تمارسه أمريكا والدول الأوروبية. ولذلك يندر ارتفاع صوت يدعم أمريكا أو أسرائيل علنا. بل أن هناك أصواتا حرّة لدى قطاع واسع من الغربيين ومن بينهم يهود متحررون، لا تخفي تضامنها مع الشعب الفلسطيني ورفضها العدوان الاسرائيلي.
كيف سيكون مستقبل المنطقة بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ لا شك أن نتائجها ستساهم في بلورة سياسات جديدة للتعاطي مع أوضاع ما بعد الحرب. الأمر المؤكد أن أمريكا لن تحقق ما تريده من استعادة دور الشرطي الدولي، والهيمنة المطلقة عليها. وبرغما ما تملكه من أساطيل حربية عملاقة وإمكانات تكنولوجية وفّرت لها تفوقا عسكريا ملحوظا، فإن التاريخ يؤكد أن التفوق المادّي لا يحسم وحده التنافس السياسي ولا يوفّر الشرعية للقوى الساعية للهيمنة مهما امتلكت من قوة. ولذلك فالمتوقع أن يبدأ العالم، خصوصا دول الشرق الأوسط، البحث عن واقع جديد يمنع تكرر العدوان الأمريكي الذي يسعى لحماية الاحتلال بأي ثمن. فالشعوب التي ذاقت طعم العدوان الأخير ستجد نفسها في خندق واحد بحثا عن الحرّيّة والشرعية والسيادة بعد أن انتهكت أمريكا القيم الإنسانية ومباديء التعايش السلمي. كما سيتم تعرية الأنظمة السياسية التي سايرت الأمريكيين في عدوانهم، وستكون مكشوفة أمام شعوبها التي ترفض ذلك بشكل قاطع. والأمل أن يتعمّق وعي شعوب المنطقة فتسعى لاستثمار الأزمة ونتائجها من أجل إقامة منظومة سياسية عربية مؤسسة على العدل والحرّيّة وحق الشعوب في حكم نفسها والتخلص من أعباء الماضي وعلى رأسها الأنظمة الديكتاتورية العميلة. وشعب البحرين يعي ذلك جيّدا، وسيكون في طليعة الشعوب التي سوف تسعى لاستثمار الواقع الراهن لبناء دولة حديثة يمارس فيها سيادة كاملة ضمن مشروع ديمقراطي حرّ، وأوضاع أمنيّة مستقرة، يتم فيها إفراغ السكون من معتقلي الرأي ويحاكم فيه حكام الظلم ومرتكبي الخيانة العظمى، لتعيش المنطقة أوضاع آمنة وتنعم بالحرّيّة والسيادة كامتلين غير منقوصتين.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
27 مارس 2026