من يوقف تجاوز الخطوط الحمراء في التعامل الدّولي؟
مع استمرار العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران يستمر التوتر في المنطقة محدثا اختلالا في الأوضاع والتوازنات السياسية والاقتصادية. ومع تصاعد احتمالات غلق مضيق هرمز، تتعمّق القناعات بحتمية ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة. وهدّدت إيران بأن بإمكانها خلق الظروف لدفع تلك الأسعار إلى 200 دولار للبرميل الواحد، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل بدء العدوان. وهكذا أصبح على شعوب العالم دفع فاتورة حرب لا تريدها، بل فرضت عليها من قبل القوى التي تسعى للهيمنة على العالم بالتهديد والشيطنة والتنمّر. وفي غياب الأصوات المندّدة بالعدوان والساعية لوقف الحرب، تستمر المعاناة بين أبناء البشر، ويُظهر العالم مجددا عجزه عن التصدّي لسياسات العدوان والاحتلال التي لا تتوقف ولا يخشى أصحابها من تبعاتها أو ما ينجم عنها من كوارث إنسانية. لقد أصبحت مشاهد الاعتداءات المتواصلة التي تنطلق من كيان الاحتلال لتستهدف الآمنين في لبنان والعراق وإيران مقزّزة خصوصا مع تجاهلها من قبل القوى الكبرى وكذلك المؤسسات الدولية كالامم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الإقليمية. ومما لا شكّ فيه أن هذا التجاهل يساهم في تشجيع المعتدي على مواصلة عدوانه لعدم خشيته من ردود فعل تستهدف مصالحه من قبل هذه الجهات. وإنها لظاهرة خطيرة أن تتجاهل المجموعة الدولية ذلك، مع علمها أن هذه الممارسات تؤدّي إلى قتل البشر يوميا وتحوّل البلدان إلى أنقاض. والأمر الذي يمكن استنتاجه من هذا الصمت أن هناك تواطؤا مع المعتدي، وأن العالم تحوّل إلى غاب يمارس فيه من يملك القوّة العسكرية بلطجة لا تنسجم مع القيم الإنسانية والحضاريّة.
وشعبنا البحراني الذي رفض منطق الحرب والاعتداء دائما، نظرا لطبيعته السلمية ونزعاتها الإنسانية، أصبح ضحية لها. فحالة التوتر والاضطراب والخوف تسيطر على المواطنين، خصوصا حين تنطلق صفارات الإنذار عندما يُتوقع وصول صاروخ إيراني لضرب المصالح الأمريكية في البلاد. ومنذ حقبة الحرب الباردة كانت المجموعات الوطنية واليسارية تدعو لغلق القواعد الأجنبية في المنطقة، ومن بينها قاعدة الجفير البحرية، لتجنيب البلاد والناس مخاطر الحروب التي تشارك فيها الدول التي تملك تلك القواعد. وفي هذه الأيام والليالي الرمضانية أصبح المواطنون يعيشون قلقا دائما يحرمهم من الاستمتاع بالشهر الفضيل بشكل لائق. فهم محكومون بقواعد وقوانين تفرض عليهم من النظام بدعوى الحفاظ على سلامتهم، فتستمر محاولات منعهم من أداء العبادات وممارسة الطقوس التي اعتادوها خصوصا في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك. إنهم يدفعون فواتير حروب ليس فيها ناقة ولا جمل، بل اضطروا لذلك بسبب سياسات العائلة الحاكمة التي تعتبر نفسها جزءا من الحرب على إيران. ولا يخفي مسؤولوها ذلك، بل أن نجل الحاكم يصرّح بوضوح رغبته في التواصل مع “إسرائيل” بينما عمد أخوه الأكبر للتطبيع معها منذ سنوات. وفي الوقت نفسه تشن العصابة الحاكمة حملة اعتقالات واسعة للمواطنين. وهكذا أصبحت البحرين تعيش أوضاعا خطيرة نتيجة سياسات حكومتها غير الحكيمة.
إن الحرب التي فرضها التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على المنطقة قد تستمر فترة طويلة، وفي هذه الأثناء تعطّلت المدارس وأصبح المواطنون محبوسين في بيوتهم وحُرموا فرصة الاستمتاع بالأمن من جهة وبالشهر الفضيل من جهة أخرى. والسؤال هنا: أي ظلم هذا الذي يتعرض له شعبنا المضظهد؟ فقد فرضت عليه أوضاع صعبة وخطيرة، وتعرّضت مصالحه للتهديد العسكري المتواصل، وأصبح يتعرّض لقمع سياسي وإعلامي متواصل، خصوصا من الأقلام الموتورة التي تنطلق في كتاباتها من اعتبارات مذهبية وطائفية. وهنا لا تنحصر الجريمة ياستهداف شعب البحرين وحقوقه وحرياته فحسب، بل ان القضايا العربية والإسلامية لا تحظى بما يليق بها من الاهتمام. فقضية فلسطين تخضع لحصار شديد تشارك فيه قوى الثورة المضادة ومن ضمنها العائلة الخليفية التي تحكم البلاد بالنار والحديد. فبينما يُفترض أن تهتف الجماهير خلال هذا الشهر من أجل فلسطين والقدس بشكل خاص، أصبحت العائلة الحاكمة تعلن سعيها لمنع اي صوت ينطلق في يوم القدس العالمي الذي خصصت الجمعة الأخيرة من الشهر الفضيل لإحيائه. وفي الوقت نفسه لم تتوقف الاعتداءات على غزّة وأهلها، بل ما يزال شهداؤها يتساقطون يوميا بالعشرات، ولا يأمن أهلها على أنفسهم ولا على مصادر رزقهم وطعامهم خصوصا في هذا الشهر الفضيل.
من المسؤول عن تداعي أوساط أمّة العرب والمسلمين؟ من الذي يغذّي آلة الحرب الصهيونية التي تستهدف البلدان العربية والإسلامية وشعوبها بلا رادع، بل بدعم أمريكي مكشوف. الرئيس الأمريكي لم يحاول يوما أن يخُفي مشاعر الحقد ضد هذه الأمّة واستعداده للمشاركة في أي عمل عسكري يستهدف أمنها ووجودها. ولم يكن خافيا أن هناك تحالفات أمريكية – إسرائيلية تهدف لتركيع الأمّة وقضم فلسطين كاملة من قبل الاحتلال. ويتساوى الرؤساء الأمريكيون في هذا الموقف، بل أن ترامب يدعو الفلسطينيين لترك أرضهم وأنه سوف يوفّر لهم مكانا بديلا. ومع الضغوط المتواصلة على الأنظمة العربية للابتعاد عن القضية، بقي الفلسطينيون يواجهون الاحتلال وحدهم. ونظرا للسياسة الإيرانية التي وضعها الامام الخميني قبل قرابة الخمسين عاما (أي قبل انتصار الثورة) التي دعمت القضية وجعلتها محورا لسياستها الخارجية أصبحت إيران مستهدفة بكافة الوسائل: العسكرية والأمنية والاقتصادية. ولن تتغير هذه السياسة طالما رفض قادة إيران تغيير سياستهم الخارجية التي وضعت القضية الفلسطينية في محور تحركاتها. ومع اقتراب الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك التي حدّدها الإمام الخميني لإحياء قضية القدس، تسابقت الدول الغربية لإجهاضها، باستهداف منظمي المسيرات التي تخرج لإحياء “يوم القدس العالمي”. وفي هذا العام فإن هذه الفعاليات سوف تكون في أوضاع مختلفة وأجواء سياسية متوترة مع استمرار المواجهات المدمّرة التي تأتي على الأخضر واليابس.
وثمة مسألة قد تفسر السلبية الدولية إزاء ما يحدث. فالبعض يعتقد أن الاعتداءات الإسرائيلية ستساهم في بسط النفوذ الغربي في المنطقة بشكل أوسع، وأن البدء بالعدوان يوفّر حصانة لمن يقوم بذلك. ومن المؤكد أن ما جرى في فنزويلا من اعتداء سافر نجم عنه خطف رئيسها نيكولاس مادورو، كان مغامرة كبيرة من قبل أمريكا ورئيسها، وبالون اختبار لمعرفة مدى التفاعل الدولي مع هذا النوع من التدخلات. ولكن غياب موقف دولي حاسم، وتردّد الدول الكبرى مثل روسيا والصين والهند عن إظهار موقف ذي معنى، ربما أقنع الإدارة الأمريكية بتوسيع أعمالها العدوانية، وأن ذلك سوف يحمي “إسرائيل” من الغضب الدولي حين تخترق الخطوط الحمراء للتعامل الدولي. فاغتيال زعيم دولة وخطف رئيس أخرى ليست من الظواهر المعتادة. فمهما قيل عن مبرّراتها، فإنها اختراق لخطوط حمراء في التعامل بين الدول، وبدون تلك الخطوط تسود الفوضى ويصبح صاحب السلاح سيد الموقف، ويتم تجاوز المباديء واللباقة السياسية، ليحدث بذلك فراغ مدمّر في الفضاء الدولي. هذا الفراغ يوفر للكيانات المارقة مثل “إسرائيل” الفرصة لتوسيع نفوذها وممارسة سياسات تؤدّي في النهاية إلى تقويض العمل الدولي المشترك. وهذا ما دأبت الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة لانتهاجه، بالانسحاب من المنظمات والمؤسسات الدولية مثل مجلس حقوق الانسان والمحكمة الجنائية الدولية. وهكذا يتضح الصراع بين منطق القوّة ومنطق القانون والشرعية. فما الذي ينتظر الإنسانية في ظل هذه التطورات الخطيرة التي تقضي على ما أنجزته التجربة البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ ومن يوقف انزلاق العالم نحو الهاوية؟
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
13 مارس 2026