القرآن والدعاء يكملان صوم رمضان، وسلاحان ضد الظلم والعدوان
مع استمرار أيام شهر رمضان المبارك، يستمر النضال من أجل الحرّيّة. أليس هذا واحدا من أهم دروس الصوم؟ أليس هذا الصوم تدريبا للإنسان لاستهداف الشياطين والتغلّب عليهم؟ فإذا استطاع الصائم تحقيق ذلك، فقد أصبح مؤهلا لمكافحة الشياطين وما يرمزون إليه من تجاوز للحدود وعصيان لله وإفساد في الأرض وإغواء للبشر وتقمّص للألوهية. إنها دروس في وضوح الرؤية واستقامة الخطّ ومعرفة الواجب وتحقيق خلافة الله على الأرض. فما قيمة هذه الخلافة إذا لم يُستهدف المستألهون ويُتحدى الأرباب البشرية؟ ما معنى استخلاف الإنسان إذا لم يؤدّ واجب التصدي للانحراف والاستكبار والطغيان؟ هذه بعض دروس الصوم لمن اراد أن يعي فلسفته ومقاصده، ويتبنّاه طريقا للكمال، ودربًا للتحرّر. قد يرى البعض هذه القراءة لشهر الصوم خارجة عن السياق التقليدي الذي يضع الصوم ضمن قائمة من العبادات التي اعتاد المؤمنون أداءها بدون رؤية عميقة لمعانيها ومقاصدها. فما أهمّ هذا النهج في استيعاب ما وراء الطقوس، كما أراد الإمام زين العابدين عندما تحدّث إلى الزهري حول الحج ومناسكه ومعانيها الواقعية. صحيح أن أداء الطقس واجب، ولكنّ التمعّن فيه وفي دلالاته ضرورة لاستيعاب مقاصد الشريعة التي تهدف دائما لتحقيق الخير للإنسان وإسعاده. فما أجمل التدبّر عندما يتلو الإنسان آيات القرآن الكريم، فلنفعل ذلك قدر المستطاع.
ليس هناك شكٌّ أن صوم شهر رمضان المبارك يمثل هويّة للمسلمين، فصوم أكثر من مليار ونصف إنسان على ظهر هذه المعمورة ليس حدثا عاديا، فهو يحدث في فترة محددة ويشمل قرابة ربع سكان الارض، ويمثّل تحوّلا في عادات البشر وممارساتهم اليومية المعتادة وأنماط استهلاكهم. ولذلك أصبحت هذه العبادة تحظى باهتمام الآخرين، خصوصا لأبعادها الصحّيّة. وما أكثر الذين أصبحوا يمارسون الصوم من أجل تحسين صحّتهم. يضاف إلى ذلك أن شهر الصوم يعتبر كذلك ربيع القرآن الكريم. هذا الكتاب الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يمثل تحدّيا للبشر من حيث معانيه ومضامينه ولغته التي لم يستطع أحد مضاهاتها منذ أن أنزله الله على قلب محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام في ليلة القدر: “إنّا أنزلناه في ليلة مباركة، إنّا كنّا منزلين، فيها يُفرق كلّ أمر حكيم”. ولذلك مطلوبٌ من الصائم إعادة علاقته بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته والتمعن فيه. فشهر رمضان هو شهر القرآن، والصائم يجد حلاوة متميّزة في التلاوة لانه يشعر بأن الله يخاطبه بآيات القرآن، وعليه أن يتجاوب مع الخالق بالتلاوة والدعاء والصلاة بالإضافة للصوم.
إن هناك غايات عديدة أراد الله سبحانه وتعالى من المؤمنين إدراكها خلال الشهر الفضيل. فبالإضافة للأبعاد الاجتماعية والصحّيّة والتجارية، هناك الأبعاد الروحيّة التي هي أساس الصوم وعنوانه وغايته. فالروح تحتاج دائما للتزكية والتنقية، وهذا لا يتحقّق إلا بتوفير الأجواء المناسبة التي تنفصل فيها الروح عن العالم المادّي وترتقي إلى الملكوت الأعلى من خلال العبادة بشكل أساس. ولا شك أن الابتعاد عن الأجواء المادّيّة يوفر جانبا من الأجواء التي تحتاجها الروح، خصوصا إذا كان هناك قدرٌ من التدبّر. وليس صدفة أن يكون نزول القرآن في هذا الشهر الفضيل لغاية مهمّة، تتمثل في أبسط مدلولاتها بتوفير الأجواء المناسبة لتحليق الروح في عالم الغيب القدسي. ولا شكّ أن الامتناع عن الطعام يكبح الشهوة البشرية للاستهلاك غير المحدود. وهذا درس للصائم يهدف لتدريبه على تحقيق التوازن الحياتي المطلوب على كافة الصعدان. فبدون التوازن تنمو ظواهر الإفراط والتفريط ويبتعد الإنسان تدريجيا عن خط الاعتدال الذي يحقق الوسطية التي وصفت بها الأمة السائرة على هدي الله سبحانه: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا”. إنها وسطية مسؤولة وشاملة تشمل كافة المجالات الحياتية ومن بينها الاستهلاك. ولا يمكن إحصاء دور شهر رمضان والصوم في كبح جماح نفس الإنسان نحو الاستهلاك غير المحدود أو المقنّن. وإن التقوى التي اعتبرها القرآن الكريم المقصد الأساس للصوم، يتعمّق بصدق النية وحسن الأداء.
من المؤكد أن هذه الدروس والسمات الرمضانية لا تظهر لأغلب الصائمين الذين يمارسون الصوم كطقس ورثوه عن آبائهم أو اضطروا إليه بضغوط مجتمعية. فلا شك أن الأجواء تفرض على الإنسان أنماط تصرفه وأشكال حياته. ولذلك نهى الله عن الانخراط في اجواء اللهو والعبث، فوصف المؤمنين بقوله: “والذين هم عن اللغو مغرضون”. هذا الإعراض عن اللهو ضرورة لتنقية المسار الإنساني. بل أن الله طلب من رسوله الكريم توجيه الناس للابتعاد عن تلك الأجواء التي تؤثر سلبا إذا كانت غير منضبطة أو ملتزمة بمعايير دينية أو أخلاقية. فقال تعالى: “قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا”. فأجواء الضوضاء والعبث لا تترك مجالا للفكر للتحليق في عالم الملكوت، وبذلك تفتقد النقاء المطلوب للتفكير الصافي والعميق. والدعوة لتكثيف العبادة خلال الشهر الفضيل تهدف لتوفير أجواء لخلوة الصائم مع ربّه في بطن الليل ليكون من أولئك الذين يقومون الليل ويتواصلون مع الله سبحانه بالعبادة والدعاء: “كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون.” وتوفر أجواء شهر الصوم هذه الفرصة لمن يريد أن يعمّق تواصله مع الله. ولا يتعمّق هذا التواصل إلا بعقد النية وتلاوة القرآن بقدر من التدبّر.
الأمر المثير للقلق أن الأجواء الرمضانية هذا العام ليست صافية، بل أن أعداء الأمّة أصابوها بالتلوث والتوتر السياسي والصراعات العسكرية. وما الحرب التي تدور رحاها هذه الأيام بين التحالف الأمريكي – الإسرائيلي والجمهورية الإسلامية إلا واحد من أكبر المنغّصات التي تحول دون تحقيق مقاصد الصوم الهادفة لتزكية النفس وترويض الروح. وهل يستطيع صائم أن لا يتابع أخبار الحرب بشكل متواصل؟ هل يستطيع أحد أن يتجاوز واقعه وينحو نحو العبادة الخالصة وهو يسمع أصوات انفجار الصواريخ في محيطه. فحتى البحرين لم تستطع أن تعيش خارج تلك الأجواء. فما دامت هناك قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية على أراضيها، فمن المؤكد أنها ستكون طرفا في الحرب. ولو كان الأمر بأيدي أهلها لما سمحوا بتحويل البلاد إلى طرف في الصراع الدائر الذي يهدّد الحياة ويحرم البشر من الاطمئنان والسكون. ويمكن القول أن الأجواء الرمضانية هذا العالم كانت كبرى ضحايا الحرب، فلا يستطيع الصائم الانزواء إلى زاوية العبادة وهو يشعر أن وجوده مهدّد بشكل حتمي. فالعدوان الإسرائيلي لا يعرف حدودا بل يستهدف اهل المنطقة بدون استثناء. ويزداد الخطر عندما تكون الحكومة طرفا منحازا لأحد طرفي الصراع، بدون رغبة المواطنين. ولذلك تبتهل قلوب الصائمين البحرانيين إلى ربها للتعجيل بإنهاء الحرب ونصرة المظلومين والضرب على أيدي الظالمين والمعتدين الذين لا يريدون للمنطقة وأهلها خيرا. وحيث أن الدعاء أهمّ سلاح لدى المؤمن، فإن الدعاء في هذا الشهر الشريف مستجاب إذا انطلق من نفوس صائمة، فلا تبخلوا بالدعاء ولا تتوانوا عن الصلاة وتلاوة القرآن، وإهداء ثواب الأعمال الصالحة لأرواح الشهداء الذين مزقت أجسادهم صواريخ الأعداء بدون رحمة أو إنسانية. كما نبتهل إليه سبحانه أن يحرّر أراضي المسلمين من الاحتلال، وأن يوفّر لشعوبنا ما تتطلع إليه من حرّيّة وأمن وسلام.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
6 مارس 2026