بيانات حركة أحرار البحرين

نحو استيعاب واقعي للصوم على غرار حديث الإمام السجّاد مع الشبلي حول الحجّ

مع استمرار أيام شهر رمضان المبارك، يستمر النضال من أجل الحرّيّة. أليس هذا واحدا من أهم دروس الصوم؟ أليس هذا الصوم تدريبا للإنسان لاستهداف الشياطين والتغلّب عليهم؟ فإذا استطاع الصائم تحقيق ذلك، فقد أصبح مؤهلا لمكافحة الشياطين وما يرمزون إليه من تجاوز للحدود وعصيان لله وإفساد في الأرض وإغواء للبشر وتقمّص للألوهية. إنها دروس في وضوح الرؤية واستقامة الخطّ ومعرفة الواجب وتحقيق خلافة الله على الأرض. فما قيمة هذه الخلافة إذا لم يُستهدف المتألهون ويُتحدى الأرباب البشرية؟ ما معنى استخلاف الإنسان إذا لم يؤدّ واجب التصدي للانحراف والاستكبار والطغيان؟ هذه بعض دروس الصوم لمن اراد أن يعي فلسفته ومقاصده، ويتبنّاه طريقا للكمال، ودربًا للتحرّر. قد يرى البعض هذه القراءة لشهر الصوم خارجة عن السياق التقليدي الذي يضع الصوم ضمن قائمة العبادات التي اعتاد المؤمنون أداءها بدون رؤية عميقة لمعانيه ومقاصده. فما أهمّ هذا النهج في استيعاب ما وراء الطقوس، كما أراد الإمام زين العابدين عندما تحدّث إلى الزهري حول الحج ومناسكه ومعانيها الواقعية. فلا يكفي أن يمتنع الصائم عن الأكل والشرب فحسب، بل أنه مطالبٌ بالتفكير والتدبّر في مضامين هذه العبادة وأبعادها بشكل عملي. ولذلك يُفترض أن يكون الشهر الفضيل حافلا بالحركة الاجتماعية والتبليغية الواسعة، وكذلك الحركة العلميّة واستحضار معاني الصوم ومعجزاته الصحّيّة. ومع استمرار الاكتشافات العلميّة والطّبّيّة، فإن البحث في مقاصد القوم وطبيعته ظاهرة تتجدد مع كل اكتشاف علمي أو صحّي في العالم.

ليس هناك شك أن صوم شهر رمضان المبارك يمثل هويّة للمسلمين، فصوم أكثر من مليار ونصف إنسان على ظهر هذه المعمورة ليس حدثا عاديا، فهو يحدث في فترة محددة ويشمل قرابة ربع سكان الارض، ويمثّل تحوّلا في عادات البشر وممارساتهم اليومية المعتادة. ولذلك أصبحت هذه العبادة تحظى باهتمام الآخرين، خصوصا لأبعادها الصحّيّة. وما أكثر الذين أصبحوا يمارسون الصوم من أجل تحسين صحّتهم. يضاف إلى ذلك أن شهر الصوم يعتبر كذلك ربيع القرآن الكريم. هذا الكتاب الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يمثل تحدّيا للبشر من حيث معانيه ومضامينه ولغته التي لم يستطع أحد مضاهاتها منذ أن أنزله الله على قلب محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام في ليلة القدر: إنّا أنزلناه في ليلة مباركة، إنّا كنّا منزلين، فيها يُفرق كلّ أمر حكيم”. ويكفي هذا الكتاب المقدّس لأن يكون المعجزة التاريخية التي لا تُضاهى. فهي هديّة مستمرة، لم تحدث مرّة واحدة فحسب، بل هي قائمة ما دام الليل والنهار. وبرغم ما يبدو من تقديس لكتاب الله العظيم، إلّا أن التعاطي معه لا يتناسب مع قيمته. حتى جاء فيه على لسان رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام: “وقال الرسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”. ويمثل شهر رمضان فرصة سنوية لإعادة التواصل مع القرآن وإنهاء القطيعة.

إن هناك غايات عديدة أراد الله سبحانه وتعالى من المؤمنين إدراكها خلال الشهر الفضيل. فبالإضافة للأبعاد الاجتماعية والصحّيّة والتجارية، هناك الأبعاد الروحيّة التي هي أساس الصوم وعنوانه وغايته. فالروح تحتاج دائما للتزكية والتنقية، وهذا لا يتحقّق إلا بتوفير الأجواء المناسبة التي تنفصل فيه الروح عن العالم المادّي وترتقي إلى الملكوت الأعلى من خلال العبادة بشكل أساس. ولا شك أن الابتعاد عن الأجواء المادّيّة يوفر جانبا من الأجواء التي تحتاجها الروح، خصوصا إذا كان هناك قدرٌ من التدبّر. وليس صدفة أن يكون نزول القرآن في هذا الشهر الفضيل لغاية مهمّة، تتمثل في أبسط مدلولاتها بتوفير الأجواء المناسبة لتحليق الروح في عالم الغيب القدسي. فالمزج بين الصوم وتلاوة القرآن الكريم بحالة من التمعّن والتدبّر ضرورة لإكمال أداء العبادة وتطوير الأداء وتعميق فهم الإنسان ووعيه. ومع تأكيد الشريعة على الرّبط بين حلول الشهر ورؤية الهلال، تتجلّى نظرة الدين الإلهي للمهمة الملقاة على عاتق المؤمنين، التي تتلخص بضرورة التفاعل مع العالم الطبيعي بل الكون كله. وما أكثر الآيات التي تتحدث عن تلك الضرورة وانها من سمات المؤمنين حقًّا. ولذلك وصف القرآن الكريم المؤمنين الصالحين أنهم: “الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، بنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك فقنا عذاب النار.”

وهكذا يتضح أن الصوم يسعى لتحقيق تكامل شخصية المؤمن الصائم وسعة أفقه ووعيه بمسألة الخلق في أبعادها الكونية. فكلما أوغل في التفكير تجلّت له معاني الوحدانية ومصاديقها. فهذا الكون المترامي الأطراف محكوم بقوانين مترابطة ومتكاملة، فمن الذي أوجد تلك القوانين ونظّم مسار الكون بما ينسجم معها؟ هذا التوحيد العقيدي يجب أن يصاحبه توحيد في حكم الكون وإدارته. قال تعالى: “ألا له الخلق والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين”. أهي رسالة شخصية أم جماعية؟ أهي إيحاء ديني أم شامل لشؤون الحياة؟ هذه تساؤلات قد لا تخطر على بال الكثيرين، ولكنّ التدبّر المطلوب والمنصوص عليه قرآنيا يُفترض أن يوجّه الإنسان نحو التوحيد الخالص الذي يوصل المرء للإيمان برفض الشرك بشكل مطلق، فالله الذي خلق السماوات والأرض وجعلها محكومة يقوانينه الثابتة لا يرضى بالشرك، بل أن دين الله قائم على التوحيد المطلق. وجاء على لسان لقمان: “يا بنيّ لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم”. ولذلك وقف رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ومعه علي بن أبي طالب في مواجهة المشركين بدون خوف أو وجل أو تردّد، بل بقلوب ثابتة مطمئنة، وإيمان راسخ بضرورة اقتلاع الشرك من نفس الإنسان. قال تعالى: ولا يُشرك في حكمه أحدأ.

لذلك جعل الله الصوم له، ليؤكد معنى التوحيد واختصاصه سبحانه بأمر المخلوقات. فمن صام شهر رمضان، فإنه قد استجاب للدعوة الإلهية التي نصت عليها الآيات القرآنية التي تتعلق بالصوم في الآيات 183-187 من سورة البقرة. الصوم هنا يتحوّل إلى إعلان مطلق من أمّة المسلمين بالتوحيد الخالص من خلال الاستجابة للصوم الذي جاء في الحديث القدسي على لسان الله: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به”. ولذلك يُقال أن الصائم ضيف عند الله في هذا الشهر الفضيل، وهل هناك مُضيّف أكرم من الله وأعلى وأعز شأنا؟ من هنا تتضح قداسة الصوم ودوره في تأطير معنى التوحيد الخالص ومنع الشّرك. فإذا استوعب الصائم هذا المعنى بشكل حقيقي فإنه يتحوّل من مسلم سلبي، يكتفي بأداء الواجبات بدون الخوض في مضامينها، إلى مسلم واعٍٍ يحرّكه انتماؤه الديني ويدفعه لتفعيل معنى الاستخلاف على الأرض، ورفض الشرك مطلقا، وبذل الجهد في مواجهة الأصنام البشرية، وكل من ينصّب نفسه إلها يحكم في الناس بنزعاته الشرّيرة التي لا تنسجم مع قيم العدل المطلق المرتبط بحكم الله القائم على العدل والمساواة. فالله هو مصدر هذه القيم النبيلة، وليس البشر الذين تتقاذفهم الأهواء ويسعون دائما لتقليد غيرهم خصوصا في نظم الحكم والإدارة. الصوم هنا وسيلة للثورة ضد الظلم والاستبداد والشرك المتجسد بمشاركة الله في حكمه. هذه دعوة لإعادة النظر في معاني الصوم بشكل موسّع، ودور ذلك في مشروع التغيير الإلهي والاستخلاف على الأرض. ندعو الله أن يوفق الصائمين لاستيعاب مقاصده، على غرار توضيحات الامام علي بن الحسين للشبلي حول المدلولات الحقيقية للحج.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
27 فبراير 2026

زر الذهاب إلى الأعلى