في رحاب الذكرى الـ 15 للثورة: البحرين تستحق التحرّر من الطغيان
نبارك للمسلمين حلول شهر رمضان المبارك، الذي أطلّ علينا في حلة زاهية وأجواء روحانية متميّزة، ووعود بالنجاح إذا أحسن المسلمون الاستفادة من عطاءاته. كما نبارك لشعبنا البحراني المؤمن الذي ينتظر حلول الشهر الكريم برغبة أكيدة في تعميق العبادة وتمتين الارتباط بالله سبحانه وتعالى، والتمرّد على من يفرض نفسه في موضع الألوهية تجبّرا وطغيانا وانحرافا. هذا الشعب لا ينسى معتقليه المغيّبين في طوامير التعذيب ظلما وعدوانا، بل يستحضرهم في كل لحظة، عند قيامه الليل وتناوله السحور وتعبّده في المساجد نهارا وعند إفطاره
جاء اعتقال الأستاذ إبراهيم شريف، وما تبعه من ضغط دولي على العصابة الخليفية، ليؤجج مشاعر الشعب ضدها، وليدفعه لاستحضار ذكريات ثورته المباركة التي انطلقت في مثل هذه الأيام قبل 15 عاما. وكان المشاركون في تلك الثورة قد استحضروا حوادث أربعين عاما سابقة، بدأت بالانسحاب البريطاني في العام 1971. كانت تلك العقود الأربعة مكتظة بالاستبداد والقمع والتوحش الخليفي الذي كان متخفّيا وراء الوجود البريطاني قبل ذلك. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، كان الشعب البحراني مهيّأ لخوض تجربة جديدة ضمن محاولات التغيير التي خاضها والتي ميّزت تاريخه المعاصر بوضوح. وبرغم القمع الرهيب الذي كان الأشد في تاريخه، فقد بقي هذا الشعب ثابتا وصامدا ومصمّما على مواصلة الحراك حتى تتحقق مطالبه. وقد استفاد من التراكم الحركي كثيرا، فعرف طبيعة الحكم الخليفي وصلفه وتوحشه وعمالته، كما عرف مواطن قوّته وضعفه، واستوعب ما لدى أبنائه من مخزون ثوري يتجدّد وصلابة في الموقف فشل الخليفيون في كسرها.
ومن خلال حراكات أكثر من نصف قرن، اصبح هناك عدد من الحقائق الثابتة: أولها فشل الحكم الخليفي في نيل ثقة الشعب الذي يطالب بإسقاطه واستبداله بحكم وطني ينطلق من الشعب وفق قاعدة “لكل مواطن صوت”. ثانيها: أن حالة التوحش ملازمة للحكم الخليفي ماضيا وحاضرا. فقتل مواطن أمام مبنى البلدية بالمنامة في العام 1923 لا يختلف كثيرا عن قتل شباب مثل علي عبد الهادي مشيمع وعلي المؤمن وفاضل المتروك خرج محتجّا ضد الاستبداد في فبراير 2011، ثالثها: أن القوى التي حمت النظام قبل مائة عام هي نفسها التي تحميه الآن. وإذا كان البريطانيون آنذاك قد ضاقوا درعًا بالميجر ديلي لأنه استلم عرائض البحرانيين المطالبين بالتغيير، فإنهم يضيقون درعًا بالأصوات الداعية للتغيير والإصلاح سواء في وسائل الإعلام أم البرلمانات الدولية ومنها البرلمان البريطاني. رابعها: أنه أدرك بشكل أوضح طبيعة النظام السياسي الدولي وما يعانيه من عجز أخلاقي وسياسي، وفشله في حمل راية الديمقراطية والدفاع عمن يرفعها. خامسها: استوعب الشعب البحراني طبيعة النظام السياسي الذي يحكم دول مجلس التعاون، وأنه أكثر اهتماما بأوضاع حكامه من اهتمامه بالشعوب أو التزامه بالواجب القومي الذي يتطلب موقفا رافضا للاحتلال وداعما لضحاياه، ومتوازيا مع تطلعات شعوب المنطقة.
هذه الحقائق تتضح بشكل أكبر في الحقبة الحالية حيث يعيش الشعب نشوة الإنجاز الثوري الذي حقّقه طوال عقد ونصف. فقد اعترف العالم بثورته وعدالة مطالبه وشراسة حكامه، كما اعترف بحقّه في التحوّل الديمقراطي المؤجّل منذ عقود. ومع تداخل اولويات القوى الغربية التي تحتفظ بوجود عسكري واسع في البحرين، فقد أصبحت، في نظر الكثيرين، شريكا في دعم الوضع القائم وعرقلة محاولات تغييره. صحيح أن هذه القوى تمتلك من القوّة العسكرية ما يجعلها قادرة على البقاء حتى مع الفشل السياسي والأخلاقي، ولكن عليها أن تخشى من تراكم التداعيات الناجمة عن ذلك الفشل، فلدى التاريخ ذاكرة واسعة تختزن المواقف والسياسات بعمق، وتحاصر ذوي المواقف الشائنة بأساليب شتّى ليست في الحسبان. فماذا يعني ظهور ملفّات “أبستين”؟ وغيرها من الملفّات الأمنية والأخلاقية التي تضغط بقوّة على الأنظمة السياسية من حيث لا تحتسب. وليس مستبعدا أن يجد الرئيس الأمريكي نفسه مطالبا بدفع فواتير كبيرة بعد بروز اسمه في تلك الملفات وظهوره المصوّر في بعض فصولها. تقول الآية الكريمة: “ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله”.
كان الطاغية الخليفي يعتقد أن القمع الشرس سوف يحقق له الأمن والاستقرار، ويكسر شوكة الشعب الثائر، وحرّضه على ذلك القمع حلفاؤه الذين غضبوا كثيرا أن يثور شعب خليجي ضد حكّامه بالشكل الذي فعله أهل البحرين، وأنفقوا المليارات لدعمه بالإضافة للدعم العسكري. ولا تزال الذاكرة تحتفظ بمشهد القوات السعودية والإماراتية وهي تقطع الجسر في استعراض مقيت للقوّة التي فشلت عن التصدّي لأعداء الأمة أو دعم أهل فلسطين. كان ذلك التدخل فاقعا ومقيتا وعدوانيا. يشهد على ذلك جمجمة الشهيد أحمد فرحان المفضوخة برصاصات قوات الاحتلال السعودية والإماراتية. وبرغم فداحة ذلك التدخل وما أحدثه من تخلخل في التوازن السياسي والأمني، إلا أنه فشل في اجتثاث المعارضة البحرانية التي بقيت تتحدّى الاحتلال والاستبداد بدون توقف، حتى وجد المحتلّون أنفسهم موضع استهزاء بعد أن ظهر فشلهم في حماية النظام بشكل كامل. صحيح أنهم منعوه من السقوط في ذروة الغضب الشعبي، ولكن ذلك لم يكن حلّا دائما للحكم الباغي الذي لم يحظ بشرعية شعبية أو دستورية، بل بقي معتمدا على القمع والاضطهاد وتجاوز القانون واستهداف الإنسانية.
في الذكرى الخامسة عشرة لثورة شعب البحرين المظفّرة، يقف الذين شاركوا فيها بهامات مرفوعة ومعنويات عالية وآمال عريضة، معتمدين على الله لتحقيق النصر ودحر أعداء الشعب والحرّيّة. لقد سجّلوا مواقف بطولية عندما صمدوا في دوّار اللؤلؤة، ونظّموا المسيرات اليومية من ذلك الدوّار مطالبين بسقوط الحكم الخليفي، وقدّموا أغلى التضحيات، وصبروا على ظلم الطغاة وصمدوا عندما تعرّضوا للعدوان الخليفي بالرصاص الحيّ، وأفشلوا مخطط قوى الثورة المضادة التي لا تريد للأمة نهوضا، بل تصرّ على دعم الاستبداد والعمالة والخنوع. لذلك يجدّد الشرفاء عهدهم لله والوطن بالمرابطة في الميادين ما وسعهم ذلك، كما فعلوا في الفترة السابقة. إنهم يعون معنى الحرّيّة وأن تحقيقها يتطلب تضحيات جسيمة وإيمانا عميقا بالإرادة الإلهية وحتمية النصر. من دوّار اللؤلؤة بزغت شمس الحرّيّة، ولذلك عمد العدو لطمسها بإزالة ذلك المعلم في محاولة يائسة لطمس تاريخ الشعب وثورته. اعتقد أولئك أنهم بذلك قد اقتلعوا الثورة من جذورها، وفاتهم أن شعب البحرين ترعرع على الحس الثوريّ منذ عقود، ولم يتراجع ذلك الحسّ أبدا، بل أن القمع يزيده يقظة وحيوية. في ذكرى تلك الثورة المظفّرة تخفق قلوب الأحرار مبتهلة إلى الله سبحانه وتعالى بأن يربط على قلوب قادتها المعتقلين ويشعل النور في قلوب الجيل الجديد الذي ربما عاصرها أو سمع عنها. فقد أصبحت من ثوابت تاريخ البلاد المعاصر، ولا يمكن إزالتها من الوجود. فأرواح شهدائها ترفرف في سماء البحرين هاتفة بالحرّيّة، تأبى أن تموت أو تتراجع. وها هي قبورهم أصبحت معاقل لتعميق روح الثورة لدى من يزورها. أمّا أمّهاتهم فيفتخرن بأنهن أمهات الشهداء ويتباركن بدمائهم المسفوحة ظلما وعدوانا من قبل عصابة مجرمة لا تحدّها حدود ولا يحكمها دينٌ أو قانون أو أخلاق. فطوبى لهذا الشعب الذي يرفض الاستسلام أو التراجع، والمجد لكوكبات الشهداء والعار للقتلة والسفّاحين الذين يرفضهم الشعب ويطالب بسقوطهم إلى الأبد.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
20 فبراير 2026