بيانات حركة أحرار البحرين

البحرين تتألق في ذكرى ثورت شعبها المظفّرة

في ذكرى الثورة تبتهج النفوس وتشمخ الرؤوس، وتتجدد الآمال، وتتطلع الجماهير لمستقبل مشرق لا مكان فيه للاستبداد والطغيان والظلم. قد تكون هذه تطلعات يرى البعض عدم واقعيتها، إلا أنها مؤسسة على تجربة حقيقية كانت قاب قوسين من تحقيق النصر وكسر شوكة الظالمين. وربما تراجع وهج بعض الثورات العربية التي انطلقت في مثل هذه الأيام قبل خمسة عشر عاما، ولكن شعب البحرين بقي متمسكا بخياره الثوري، فلم يستسلم أو يرضخ، ولم يعط قياده لحكامه الذين شعروا بالخزي وهم يواجهون ثورة وطنية شامله لم يروا مثلها من قبل. وكعادتهم لجأوا للاجانب لكي يحموهم من غضب الشعب الذي انطلق أبناؤه كالأسود، ورأوا في الدوار عرينهم الذي زأروا منه وقالوا كلمتهم الخالدة: الشعب يريد إسقاط النظام. لم يكن ذلك الشعار وليد اللحظة، أو تكرارا للشعار الذي رفعته الشعوب العربية الأخرى أنذاك فحسب، بل كان تعبيرا عن إرث تاريخي من الشعور بالظلامة والإصرار على اقتلاع مصدرها.

عندما كان أبناء الوطن يتجمّعون في دوار اللؤلؤة كانت أعينهم على التغيير، وكانوا مستعدّين للتضحية بأغلى ما يملكون لتحقيق ذلك. لقد عاشوا أجواء جديدة بعد انطلاق ثورات الربيع العربي بعد سبات عميق عمّ العالم العربي. ولم يتصوّروا أن قوى الثورة المضادّة كانت للشعوب العربية بالمرصاد، وأن المنطقة سوف تشهد واحدة من أبشع حقبها التاريخية قمعا واضطهادا. كانت وقفتهم التاريخية عنوانا للفخر والاعتزاز، وتأكيدا لرغبتهم في التحرّر والانعتاق من القيود والأغلال. وكانوا مستعدّين لدفع ثمن الصمود، فلم يكن استشهاد علي عبد الهادي مشيمع في اليوم الأول من الثورة رادعا لهم عن مواصلة الطريق. فاستمرّوا في تحدّي عصابة الظلم على مدى خمسة عشر عاما شهدت البلاد خلالها أبشع حقبها التاريخية. فقد استشهد المئات، وسجن الآلاف وعُذّبوا وصدرت بحق الكثيرين منهم أحكام بالسجن بلغت مدى الحياة. وما يزال هناك مئات المعتقلين الذين انتقم الخليفيون منهم شرّ انتقام. فقد دخل المئات منهم زنزانات السجن وهم في ريعان الشباب، وبقوا فيها حتى ابيضّت لحاهم ورؤوسهم. وسوف تبقى سجون القرين وجوّ والحوض الجاف والقلعة شاهدة على ظلم الطاغية وعصابته، بعد أن مزّقت في غرف تعذيبها أشلاء الأحرار وعذّب بعضهم حتى الموت، بينما عُلّق العديد منهم على المشانق واخترقت رصاصات الغدر صدور عدد منهم، وستبقى ملابسهم الملطّخة بدم الشهادة عنوانا للظلامة وشاهدا على توحش الخليفيين وداعميهم.

يعيش الشعب هذه الأيام على أنغام ذكرى ثورته المظفرة، بدون أن يشعر بالأسى أو الرغبة في التراجع أو التنازل عن المطالب العادلة. وفي صفوف هذا الشعب من يراقب أوضاع الأمّة ويرى توحش النظام السياسي الذي جثم على صدور شعوبنا العربية عقودا، مدعوما من أمريكا والغرب بدون حدود. ولكن ذلك لا يفتّ في عضد الشباب البحراني الثائر الذي أصبح شبابه يجدّدون روح الثورة، مع أن بعضهم لم يولد بعد عندما انطلقت الثورة وعندما أصبح دوّار اللؤلؤة حاضنة لجيل ثائر لم تشهد البلاد مثله. فالجيل الذي يحمل الراية اليوم حديث عهد بالنضال، ولكنه أبلى بلاء حسنا لم يتوقعه الطاغية الخليفي المجرم الذي ولغ في دماء الآدميين بقسوة وعنف وحقد. لذلك فعليه أن يرحل، بعد أن أصبح تعايشه مع البحرانيين الثائرين مستحيلا. فكيف يعيش الذئب مع ضحاياه؟ وكيف يستطيع الشعب لعق جراحه مع من مزّق جسده بالتعذيب والرصاص في الساحات العامّة؟ قد يتأخر رحيل العصابة الحاكمة، ولكنه سوف يتحقّق يوما بعد أن قُطعت خيوط التواصل بين الطرفين، وأصبحا يعيش كل منهما صراعا من أجل الوجود، بعد أن أصبح تعايشهما متعذّرا، وتعمّقت مشاعر الرفض في نفوس الطرفين.

إن ملف ثورة البحرين سجلٌّ حافل بالعطاء والتضحية من جانب الشعب، والظلم والقهر والقتل والتعذيب من جهة السلطة الغاشمة. ولعلّ من أهم نتائجها حتى الآن قطع العلاقة بين البحرانيين الأصليين (شيعة وسنّة) والعائلة الحاكمة التي تتلذّذ بسفك الدماء وهتك الأعراض والتحالف مع أعداء الأمّة ضد الشعب. لقد كانت تلك الثورة مفصليّة لجهة العلاقة المضطربة بين الطرفين، ولن يستطيع الطاغية تغيير هذه الحقيقة. فما عاشه البحرانيون من ظلم واضطهاد وضيم طوال الخمس عشرة عاما الماضية لا يمكن محوُه من ذاكرة ضحايا تلك السياسة. ولن ينسوا أن الطاغية استعان بالأجنبي ضد المواطن، وجاء بالجيوش الجرّارة للفتك بالشعب في محاولة يائسة لكسر شوكته. لقد حقق بعض ما يريد من سفك الدماء وقتل النفوس البريئة، ولكنه لم يكسر عزيمة أبطال الميادين الذين لم يبارحوها برغم استمرار القمع. وما أكثر الذين يتطلّعون لإبقاء جذوة الثورة متّقدة في النفوس، فلا تمر مناسبة وطنية أو ذكرى من أيام الثورة إلا أحيوها بأساليبهم الثورية المعتادة. فالمعركة لم تنته بدخول قوات الاحتلال السعودية والإماراتية، واكتظاظ السجون بالأحرار لم يقض على الحراك الشعبي أبدا، بل أن السياسات الخليفية الظالمة عاملٌ أساس في استمرار روح التمرّد وتعمّق الرغبة في التغيير، وتعميق الشعور بالانتماء للوطن والتّصدّي لأعدائه ومحتلّيه.

الذاكرة الوطنية تحتفظ بالظروف التي انطلقت فيها الثورة في تلك الحقبة التي احتضنت ثورات الربيع العربي. وكان من بين أسباب انطلاقها في البحرين ازدياد البطالة وتدنّي مستويات المعيشة واكتظاظ السجون بالأبرياء. وكان العدوان الخليفي على الشعب في خريف العام 2010 واعتقال أكثر من 500 مواطن بدون حق، من أسباب حالة الاحتقان التي وجدت في الربيع العربي فرصة للانفجار. هذه المرّة لا تختلف الظروف كثيرا، حيث الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءا، مع رفع الدعم عن السلع الأساسية وتدنّي الأجور وارتفاع الدّين العام وزيادة الإنفاق العسكري والأمني. ويعبّر المواطن المفصول عن عمله، محمد السنكيس الذي يقف يوميا رافعا لافتته ورغيفيه عن مشاعر غالبية شعب البحرين الذي يشاطره الشعور بالظلامة والحرمان. هذا الشعور تقابله سياسات خليفية عدائية للأمة والوطن والشعب تأسّست على التطبيع مع العدو والاستقواء بالخارج وتلاشي الثقة بين الحاكم والمحكومين. هذه الحقائق تكفي لتعميق الاندفاع نحو التغيير بعد أن فشل الحاكم وعصابته في استيعاب مطالب المواطنين، وبعد أن كرّر الثوّار إصرارهم على إقامة منظومة سياسية عصرية تلبّي طموح المواطنين وتنهض بالبلد سياسيا واقتصاديا.

الحقيقة الأساسيّة أن القمع السلطوي للحراك الشعبي لم يقصم ظهر الثورة، ولكنه أحدث معاناة شديدة للمواطنين، وقضى على أية محاولة للتعايش بين الشعب البحراني والعائلة الحاكمة. فشعب البحرين حريص على أمن بلده، ويسعى دائما لمنع حدوث أية تصدعات أمنية، ويساهم بشكل فاعل في مجالات التنمية والترابط الاجتماعي، والحوار الوطني، ولكنه يرى الاستبداد معوّقا أساسيا في طريق إقامة منظومة سياسية عصرية فاعلة. ولذلك يستمر في بذل جهوده النضالية لتحقيق ذلك. وذكرى الثورة مناسبة مهمّة في هذا الجانب. ولن يستطيع النظام قمع الحراك الشعبي في كل مرّة، فلدى الجماهير طاقة إيجابية لا تنفذ، ولن يُسكتها عما تعتبره حقوقا مشروعة، استخدام العنف والقمع أو محاولات الخداع والتضليل والتسويف. لذلك سوف تتواصل بعون الله، الجهود الهادفة للتغيير الإيجابي وإقامة مشروع سياسي عصري يمثل كافة قطاعات الشعب على قاعدة “لكل مواطن صوت” ولن تنكسر إرادته أو عزيمته أمام القمع السلطوي مهما كانت وحشيته، بل سيستمر في مساره وفاء لعهده الذي قطعه مع الشهداء السعداء.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
6 فبراير 2026

زر الذهاب إلى الأعلى