بيانات حركة أحرار البحرين

استعدادا للذكرى الخامسة عشرة لثورة الشعب

لا يمكن أن تستفيد المنطقة من الحرب التي تهدد أمريكا بشنّها ضد إيران، بل أن أحدا لن يحصد ثمرة منها سوى كيان الاحتلال. وحتى الشعب الأمريكي نفسه لن يحصد شيئا من حرب يعدّ زعماء البيت الأبيض الإمكانات العسكرية للقيام بها بذرائع مختلفة. فالحروب تأتي على الأخضر واليابس وتستنزف خِزانات الدول بشكل مروّع، بحيث لا يبقى لديها ما تنفقه على مشاريع الإعمار والتنمية. كما أن أيّ نزاع بمنطقة الخليج سوف يضغط على حكوماتها وميزانياتها بشكل كبير. والواضح أن دول المنطقة هذه المرّة تعارض قيام أمريكا بعدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لعلمهم أن ذلك سوف يوسّع نفوذ امريكا بشكل أكبر وسوف يضغط ترامب عليهم لدفع تكاليف العدوان مضاعفة. وإذا ضعفت إيران فسوف يتوسع النفوذ الإسرائيلي ويهدّد أمن الشرق الاوسط كله.

من الذي يحق له اتخاذ قرار الحرب؟ وما الذي يعطي أمريكا الحق في إشعال حرب مع طرف يعتبر أساسيا في قضايا أمن الخليج بشكل خاص؟ ففي السنوات الأخيرة ساد قدر من الأمن والاستقرار في الخليج نتيجة التفاهمات بين ضفّتيه. وشعرت “إسرائيل” بضيق شديد وهي ترى تفاهما إقليميا تعتبره اتفاقا لتحجيم التمدد الإسرائيلي ودعم الشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا. فمهما كانت الاختلافات بين حكام المنطقة، فإنهم جميعا يشعرون بتمدد النفوذ الإسرائيلي وسعي نتنياهيو لتتويج نفسه حاكما للشرق الأوسط. هذا برغم أنه مطلوب للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية للمساءلة حول قضايا تتصل بارتكاب ما يمكن اعتباره “جرائم ضد الإنسانية” ارتكبتها قوات الاحتلال في غزّة. والواضح أنه يحاول الهروب من القضايا التي تحاصره بمشاركة الولايات المتحدة في أيّ عدوان تقوم به ضدّ إيران. إنّ هذا الضخّ الإسرائيلي لتحريك آلة الحرب أسلوب هابط لصرف الأنظار عن الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. وهكذا يصبح رئيس وزراء العدو شريكا في قرار الحرب الأمريكية المتوقّعة في الخليج. ولا يخفى على أحد مخاطر اندلاع صراع مسلح جديد في المنطقة ليس على أمن الخليج فحسب بل على الأمن العربي بشكل عام، وعلى الصراع العربي – الإسرائيلي بشكل خاص. فإيران ليست بعيدة عن هاتين القضيتين أبدا.

إن قلوب أهل الخليج لتخفق ليلا ونهارا وهي تتوجّه إلى الله لتجنيب المنطقة آفات الحرب والصراعات المسلّحة. ويرى الكثيرون أن كيان الاحتلال هو مصدر التهديد الأساس لأمن الشرق الأوسط، وسببٌ أساسٌ لحالة التوتر في العلاقات داخل بلدانه، فهو يغذّي الصراعات مادّيّا وسياسيا. وقد ضمن لنفسه قواعد عسكرية عديدة في القرن الأفريقي لكي يتمكن من منع غلق باب المندب من قبل جماعة انصار الله اليمنية. ولذلك لا يمكن فصل أي توتر في منطقة الخليج عن حالة التوتر التي تعم العلاقات بين الدول العربية والغرب من جهة، وبينها وبين “إسرائيل” من جهة أخرى.

السؤال هنا: من هو الطرف أو الأطراف الأكثر تضررا من اندلاع الحرب؟ يمكن القول أن منطقة الخليج وبقية الدول العربية ستجد نفسها في قلب المعمعة إذا قامت الحرب. فبعد قرابة نصف قرن من الجهود الرامية لتطبيع العلاقات بين ضفتي الخليج، أصبحت جهودهم مهدّدة بما ينجم عن نشوب حرب جديدة على اعتابهم. ويزيد الوضع تعقيدا التزام أمريكا بحماية أمن “إسرائيل” حتى لو تطلّب ذلك استهداف رافضي التطبيع، برغم الممارسات الإسرائيلية الإجرامية بحق أهل فلسطين. وبرغم امتلاك الدول العربية ترسانة من الأسلحة المتطوّرة إلا أنها لا تزال تفتقد الدافع لاتخاذ مواقف وسياسات تؤكد حماسها لدعم مشروع التحرير. ولذلك استمرت أمريكا في سياساتها التي تسعى بشكل مستمر لإضعاف الموقف العربي خصوصا في الصراع مع الاحتلال. وما استهداف إيران إلا بسبب سياساتها التي ترفض الاعتراف بكيان الاحتلال من جهة، والتزامها بمبدأ تحرير فلسطين من جهة ثانية، بالإضافة لسعيها لامتلاك التكنولوجيا المتطورة في ظل استمرار الحصار الغربي المفروض عليها ثالثا. ولا يبدو أن روسيا والصين تمتلكان الرغبة في دعم إيران إلا بشكل محدود، فهما تخشيان غضب أمريكا برغم قوتهما الاقتصادية والعسكرية. وقد أثبتت ثمانية عقود من الاحتلال عدم جدوى التعويل على دعم أي من الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي ومنها روسيا والصين.

ولكن برغم غياب الدعم السياسي والعسكري عن مشروع النضال الفلسطيني، ما تزال “إسرائيل” عاجزة عن حسم الصراع. فما يزال الفلسطينيون متشبثين يارضهم، ورافضين الاعتراف بالاحتلال او التطبيع معه، وحاملي لواء التحرير كعقيدة راسخة. وما تزال قوات الاحتلال تتألم كثيرا لبقاء روح النضال والتحرير غضّة في نفوس أهل الأرض وكذلك لدى الأجيال العربية الناشئة.
إن قضية فلسطين هي الصخرة التي تتكسّر عليها أحلام المحتلّين والمتخاذلين والخانعين. فما أن يقدم حاكم عربي على التطبيع مع “إسرائيل” أو استقبال وفد صهيوني، حتى يسقط من عيون الشعوب العربية. وقد يقول البعض أن ذلك ثمن زهيد لا يتردد الحكام في دفعه حين “يضطرون” لمسايرة الأمريكيين في مشاريعهم للمنطقة. الأمر المؤكد أن هذه الطفرات غير المحسوبة، والتي يُفرض أغلبها من قبل الغربيين، لا تمثل مسارا حقيقيا يعبّد الطريق للقبول بـ “إسرائيل” كدولة إقليمية أو يسهّل مشاريع التطبيع. وبرغم اكتظاظ السجون العربية بالنشطاء والمناضلين، واعتقال من يتبنّى قضية فلسطين كعقيدة سياسية، فإن هناك زخما شعبيا يستعصي على محاولات التطبيع والتخلّي عن القضية. وها هو إبراهيم شريف يقضي فترة حكمه الظالمة التي فرضها الخليفيون عليه عقابا له على مواقفه من فلسطين، وقلوب المواطنين تخفق باسمه، بعد أن سجّل التاريخ اسمه في قائمة الأحرار الذين يتضامنون مع قضايا الأمّة ويرفضون الاحتلال والظلم والاستبداد. سيقضي شريف الشهور الستّة التي حكمه الطغاة بها، وسيخرج مرفوع الهامة التي سيقرأ الشعب عليها كلمة “فلسطين”. ولقد بقيت هذه القضية عنوانا للنضال ومصداقا للوفاء والحرّيّة، ليس في العالم العربي فحسب، بل لدى شعوب الدّنيا التي التصقت بها. وبرغم سياسات أمريكا والغرب وبعض الحكام العملاء ما تزال “إسرائيل” في نظر تلك الشعوب تمثل العدوان والظلم والاحتلال والّلاإنسانية.

لقد حمل الأحرار مشاعل الحرّيّة في البحرين منذ أكثر من مائة عام، وصمدوا في ميادين النضال، يتحدّون الحكم الخليفي التوارثي الاستبدادي، ويهتفون من أجل حرّيّة الآخرين، يؤبّنون شهداءهم تارة، وينتظمون بعدها في مسيرات تهتف ضد الظلم الخليفي، وثالثة يكتبون التغريدات والمقالات والشعر، كل ذلك من أجل الحق والعدل والحرّيّة. وعلى هذا الطريق الطويل استشهد الأبطال، وسجن الأحرار، ونفي الرموز إلى أقاصي الأرض. مع ذلك لم تتوقف المسيرة أبدًا. واليوم يستعد المواطنون لإحياء ذكرى ثورتهم المظفّرة بثبات واطمئنان وثقة، ويستحضرون ذكريات دوار اللؤلؤة التي عاشوها في مثل هذه الأيام قبل 15 عاما. ومن تلك الذكريات يستعيدون مشاعر الكرامة والعزّة، ويجدّدون العهد للشهداء، ويهتفون مجدّدا بالحرّيّة والكرامة، ويُعلنون رفضهم للحرب والعنف. قد يطول انتظار النصر، ولكن الشعوب لا تستسلم، وإن عجزت عن تحقيق مرامها بشكل عاجل. الأمر المهم أن تبقى شعلة النضال متّقدة، وأن يعيش الشباب الإيمان بحتمية النصر، وأن يحوّلوا كل مناسبة إلى محطّة لشحذ الهمم وتجديد العهد مع الله والوطن والشهداء بالصمود والثبات والصدق في الموقف. وهكذا تتجلّى روح النصر في النفوس وتنحسر عنهم مشاعر الإحباط أو اليأس، فهي ليست من علامات الإيمان.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
30 يناير 2026

زر الذهاب إلى الأعلى