بيانات حركة أحرار البحرين

احتمالات الحرب في المنطقة وضرورة تغليب العقل لمنعها

من المؤكد أن أزمات العالم سوف تتضاعف إذا قامت أمريكا بعمل عسكري ضد إيران، فالحرب تؤدّي إلى الحرب، والعنف يزيد احتمالات العنف، والعداء لا يمكن أن يؤدّي إلى صداقة وحبّ. ومن مشاكل العالم اليوم هيمنة قطب واحد على شؤونه، وهو قطب يرى في الحرب تثبيتا لوجوده وهيمنته، وطريقا لدعم صناعة السلاح وثراء شركات التصنيع العسكري وتجّار الموت. ومنذ أن تولّى ترامب الرئاسة الأمريكية لم يحصد العالم سوى المزيد من العنف والآذى. فأمريكا تعمل على ثلاثة محاور: اولها سلب ثروات العالم من خلال شركاتها، وثانيها: تحريك عوامل الاختلاف بين الدول لمنع توحدها وتوجهها للاستقلال الحقيقي عن أمريكا وحلفائها، وثالثها إشعال الحروب التي تدمّر البلدان وتدفعها لتكديس السلاح خصوصا من أمريكا. وبدون الحروب لا يتحقق أي من ذلك. وقد سعت واشنطن منذ عقود لتهميش العمل الدولي المشترك وإضعاف المؤسسات الدولية خصوصا الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. ويكفي الإشارة إلى أن الحكومة الامريكية قرّرت مؤخرا الانسحاب من أكثر من 60 مؤسسة دوليّة. وكانت قد انسحبت سابقا من مجلس حقوق الإنسان لكي لا تخضع لرقابته. ونظرا لما تمتلكه امريكا من إمكانات مادّيّة عملاقة، فإنها لا تخشى من ردود فعل عكسية لسياساتها التي يمكن اعتبارها انعزالية وكذلك أنانية تهدف منها توفير الفرصة لتقوية الذات والاستعلاء على الآخرين.

هذه المرّة تنطلق أمريكا لشن عدوان على إيران بهدف واضح: القضاء على أي توجه استقلالي في الشرق الأوسط من جهة، وإزالة أي تهديد حقيقي للاحتلال الإسرائيلي الذي رعته أمريكا منذ بدايته. ولم تُخفِ الادارات الأمريكية المتعاقبة انحيازها الكامل لكيان الاحتلال، والتزامها بضمان التفوق الإسرائيلي العسكري على الجانب العربي، لمنع أية محاولة جادّة لتحرير فلسطين من الاحتلال. وتتميز أمريكا في هذا الموقف عن كافة بلدان العالم التي ترعب في إيجاد حلّ للقضية التي استمرت أكثر من ثلاثة أرباع القرن، وأظهرت عجز العالم عن حلها. وبذلك أثبتت أمريكا فشلها في المجال الدبلوماسي وانحصار قوتها بالجانب العسكري فحسب. ومع الاعتراف بأهمية القوة العسكرية لحماية المصالح والنفوذ، ولكن الضعف الدبلوماسي يهدد أمن الجميع. ولذلك لم تستطع امريكا أن تنال ثقة العالم، حتى حلفائها الغربيين الذين لا يطمئنون لسياساتها ونواياها، ويخشون جشعها. وما قضية جرينلاند التابعة للدنمارك، إلا تأكيد للأطماع الأمريكية التي قد تطال الحلفاء فضلا عن الآخرين.
كان هناك توقع بحدوث اعتداء أمريكي على إيران في الأيام القليلة الماضية، ولكن لم يحدث ذلك، فهل يعني أنه لن يحدث في المستقبل المنظور؟ يمكن القول أن العلاقات بين البلدين كانت مضطربة ومتباينة ومتقلّبة منذ أكثر من سبعة عقود، أي منذ الانقلاب الذي دعمته وكالة الاستخبارات الأمريكية في العام 1953، عندما شاركت في إسقاط نظام الزعيم الوطني الإيراني، محمد مصدّق. وجاءت الثورة الإسلامية الإيرانية لتحسم خيارات طهران، وتخرج تماما من الفلك الأمريكي. ولكن ذلك لم يكن سهلا، بل تتواصل تبعاته بشكل مستمر، ويتخذ أشكالا من النزاع العسكري والتنافس السياسي والتوسع الجغرافي. ويصعب إنهاء هذه الحالة، خصوصا أن الطرفين يتنافسان في دوائر متداخلة وبلدان مشتركة في منطقة الخليج والعراق وسوريا ولبنان.

ولذلك اتسمت السياسة الامريكية تجاه إيران بالعنف والمواجهات العسكرية المتكررة. وتعلم أمريكا إن القضايا المرتبطة بإيران مرتبطة بمصالح دول مجلس التعاون وأمن الخليج نفسه. ولا يمكن تجاهل الانعكاسات المحتملة لأي استهداف عسكري لإيران على أمن منطقة الخليج واستقرارها. كما يجدر بأمريكا أن تنظر إلى العلاقات المستقرة بين ضفتي الخليج، وتعاون كافة أطرافه في مجالات الاقتصاد والأمن والعلاقات السياسية، وأن مصالحها تقتضي انتهاج سياسات واقعية تتسم بالاعتدال، وعدم ترجيح مصالح “إسرائيل” على مصالحها الخاصة. هذا يعني أن تبتعد واشنطن عن الأجندات الإسرائيلية التي تسعى لتوريطها في صراعات إقليمية عربية لتخفيف الضغوط على كيان الاحتلال، وتجنيبه مخاطر توتر العلاقات وما قد تؤدي إليه من نشوب صراعات مسلّحة في الشرق الأوسط.

وكما يُقال فإن نشوب الحرب يعني فشل السياسة، وهذا الفشل يعني تراجع قيم السلام لدى الفرقاء، وكذلك عجز المنطق البشري عن التعاطي مع قضايا الخلاف والنزاع. وهذا لا يليق بعالم القرن الحادي والعشرين الذي يُفترض أنه تعلّم من التجارب المرّة التي تمثلت بالحروب الطاحنة وتراجع قيم التعايش السلمي بمستويات خطيرة. لذلك يُتوقع من الأطراف الدولية المعنية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا تنسيق الجهود لمنع نشوب النزاع المسلح بين أمريكا وإيران، لأنه لن ينحصر بين الطرفين ا لمتحاربين، بل سوف يشمل منطقة الخليج والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية. وستكون الانجازات الخليجية في مجالات الاعمار والتصنيع والتسلح عرضة للتدمير، فضلا عن الاعداد الكبيرة من الضحايا. فالحرب ليست نزهة، بل مسار خطير يأتي على الأخضر واليابس ويقوّض الانجازات البشرية، ويستبدل قيم الحب والتعاون والتضامن بثقافة الكراهية والحقد والقتل. وهذا ما حدث في الحروب العالمية التي حصدت أرواح الملايين وخلقت الحواجز النفسية والسياسية بين البشر. والعقلاء هم الذين يبذلون جهودا لمنع نشوب النزاعات المسلّحة نظرا لما ينجم عنها من آثار مدمّرة ونتائج وخيمة. وهذا ما حدث مؤخرا. فقد كانت هناك مؤشرات لاندلاع نزاع عسكري في المنطقة، ولكن شعرت الأطراف بأنه لن يحقّق لأي طرف غلبة حقيقية، بل سوف يدفع الجميع فواتيره الباهضة، وسينجم عنه خسائر بشرية واسعة. ولذلك بادر الكثيرون لنزع فتيل الحرب في الوقت الحاضر على الأقل.

منذ عقود انتهجت الدول سياسة الرضوخ للأمر الواقع في أكثر الأحيان، إذا كان ذلك لا يؤثر بشكل كبير على مصالحها. ويرى بعض السياسيين أن ذلك ضرورة للحفاظ على أمن العالم وسلامته، خصوصا إذا كان هذا الواقع لا ينطوي على احتمالات اندلاع عنف غير محسوب أو يؤدي لتوترات غير مرغوبة. ويمكن القول ان منطقة الخليج تعيش توازنا سياسيا وعسكريا دقيقا وحساسا، وأن محاولات الإخلال بهذا التوازن لا يخدم المجموعات البشرية التي تعيش على ضفافه. ولذلك يجدر بالسياسيين بذل أقصى الجهود لمنع تصدّع هذا الوضع لكي لا تواجه المنطقة ما لا ينفعها من التوترات والنزاعات المسلّحة. ويدرك الجميع حساسية الوضع خصوصا مع وجود آبار النفط ومصافيه وخطوط تصديره إلى الغرب. ولذلك أصبح ذلك رادعا عن الاستعجال في إشعال شرارة الحرب والنزاعات المسلحة. فأي نزاع عسكري يندلع نتيجة سوء الحسابات أو الرغبة في حصار إيران أو ضربها، من شأنه أن يرتد سلبا على الغرب بشكل خاص، لأن ذلك سوف يؤدّي إلى توقف تصدير النفط للدول الغربية التي تعتمد اقتصاداتها على تلك الامدادات. ومن مصلحة كافة الأطراف منع تفاقم الأزمات السياسية الإقليمية حفاظا على الأرواح من جهة والمصالح الاقتصادية من جهة أخرى. أما الدفع باتجاه التوتر والنزاعات المسلّحة فلا يقوم به إلا من يسعى لإشغال الآخرين عما يحدث في بلده. والأمل أن تسود لغة العقل والحكمة وتمنع التوجه للعنف والحرب، وتشجع المعنيين على التفاوض والتفاهم لكي يتم استبدال لغة الحرب بلغة السلام والوئام. فلن يستفيد أحد من نشوب حرب ضد إيران نظرا لما سيكون لها من انعكاسات تضرّ بمصالح الجميع وتهدد حياة البشر وتقلب الموازين، وتقلّص قيمة الإنسان وحياته.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
16 فبراير 2026

زر الذهاب إلى الأعلى