آهات البحرانيين وهم يودّعون عاما ويستقبلون آخر: الاضطهاد السياسي والتنكيل بالسجناء، وزيادة تكاليف الطاقة
بينما تجري الاستعدادات لتوديع عام ميلادي متصرّم واستقبال عام آخر، يتحدث الكثيرون عن خطط البشر للسنة المقبلة، مع علم الجميع أن الحياة سوف تستمر بدون تغيير يذكر، وأن الزمن يجري بدون توقف وأن أيامه لا تختلف عن بعضها. مع ذلك يعقد البعض آماله على تداول الأيام والسنين، ويتمنّى سيادة الخير وانتهاء الشر دائما. وتؤكد ظاهرة الاحتفاء الباذخ بنهاية العام اهتمام البشر بها كمحطّة في حياتهم، قد يفكّر بعضهم فيها ويعقد العزم لتطوير النفس والتفاعل مع المجتمع. أيًّا كان الأمر، فسوف يتابع الكثيرون مظاهر الاحتفاء برأس السنة الميلادية وما يصاحبها من احتفالات وزينة وتبادل التهاني، وذلك أمرٌ محمود يساهم في تقوية الأواصر والتفاؤل بالخير والسعي لتجاوز الشر. ومن المؤكّد أن القطاعات المتمكّنة من البشر أكثر اهتماما من الفقراء والمهمّشين الذين يعيشون على حافة الحياة ويعانون شظفها وتغيب عن اهتماماتهم مظاهر الفرح والزّينة في مثل هذه المناسبات.
فمثلا هل تستطيع العائلات البحرانية التي تعاني من غياب أبنائها المعتقلين في سجون النظام الخليفي، أن تهتم بمثل هذه المناسبات التي لا تتميز بأبعاد دينية؟ هذه العائلات ترى نفسها محاصرة بالهموم من كل جانب، مع استمرار تغييب أبنائها في غياهب السجون. وماذا عن العائلات التي ترى أبناءها يُسحبون إلى المعتقلات وغرف التعذيب لأنهم شاركوا في مسيرة أو هتفوا بحياة رموز الشعب المعتقلين خصوصا الاستاذ حسن مشيمع الذي يعاني آلام المرض وروحه معلّقة بين السماء والأرض بسبب اضطهاد الطغاة وإجرامهم؟ كيف ينسون الأستاذ عبد الوهاب حسين والدكتور عبد الجليل السنكيس وبقية الرموز الذين يكملون عامهم الخامس عشر وراء القضبان؟ وماذا عن سماحة الشيخ علي سلمان المغيّب منذ أكثر من أحد عشر عاما بدون أن يرتكب مخالفة أو جرما؟ لذلك يصعب على شعبنا البحراني أن يتظاهر بالفرح بحلول عام وتصرّم آخر. الفرحة هنا خاصة بالمرفّهين الذين لا يعانون من شظف العيش أو محن الزمان أو جور السلطان. وما أكثر العائلات التي ما تزال تندب شهداءها الذين لم تتوقف قافلتهم منذ عقود.
تتزامن نهاية هذا العام مع قضايا عديدة تشغل بال المواطنين في البحرين بشكل خاص، وفي بقية الدول العربية بشكل عام. فإذا كانت قضية الاستاذ حسن مشيمع الذي يرزح على فراش المرض تبدو “بحرانية” او “محلّيّة” فإن ما يمثله الاستاذ من موقف متطلع للحرّيّة ومتمرّد على القمع والاضطهاد والاستبداد، يمثل حالة عامة يُفترض أن تشعر بها بقيّة الشعوب العربيّة. فقضايا الحرّيّة والحقوق السياسية والمدنية وحكم القانون هموم تشغل بال أبناء الأمّة خصوصا الواعين منهم في البلدان التي شهدت حراكات سياسية وثورية منذ العام 2011. فليس هناك بلد عربيّ يتمتع شعبه بتلك الحقوق، بل تتسابق هذه الدول في عدد المعتقلين وكذلك في مدى سوء معاملتهم وما يتعرضون له من اضطهاد وظلم وتعذيب وتنكيل وأحكام طويلة بالسجن لأنهم تفوّهوا بكلمة أو شاركوا في وقفة أو مسيرة من أجل الحرّيّة. فكيف لهذه الشعوب أن تهنأ بالعام الميلادي الجديد؟ كيف لها أن تتجاهل أنّات المظلومين وأهات المحرومين وصرخات المعذّبين؟ وهل تبتسم وجوه الفقراء الذين سترهق كاهلهم تكاليف الحياة بعد أن قرّرت العصابة الخليفية زيادة أسعار الكهرباء والغاز، وتسعى لإسكات العائلات الفقيرة بزيادة محدودة للدعم؟
برغم ذلك لا يستطيع المواطن البحراني أن يتجاهل انتماءه الإنساني والدّيني. ففي غمرة عذابه تتجاذبه مشاعر الحبّ لأبطال الإسلام الذين تصدّوا للطغاة ورفعوا راية الحرّيّة وتمرّدوا على النظام القبلي المقيت، ورفعوا راية الإسلام بقيادة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام. هؤلاء رأوا في ابن عمّه عليّ بن أبي طالب عنوانا للعدالة والإنسانية، فساروا خلفه ورفعوا رايته وتعلّموا من صدق إيمانه وصلابة موقفه، وهم اليوم يستذكرونه في ذكرى مولده الشريف، مؤكّدين هويتهم وانتماءهم له وعشقهم للخط المحمّدي الأصيل الذي تعالى على الجاهلية والانحراف، وضرب العقلية القبلية البالية بإسلامه الخالد الذي أنزله الله عليه ليكون هدى للبشرية على طريق الإيمان والتحرّر. فها هو يقيم الاحتفالات بذكرى مولد الإمام عليّ بن أبي طالب ويتباهى بانتمائه لخطّه وعشقه لما يمثله من أخلاق ومباديء وقيم. هذا الشعب يعلم كيف أن القبلية التي تصدّت لمحمد وعليّ تطلّ برأسها مدعومة بالمال النفطي، وها هي تشعل النزاع مجدّدا في اليمن، ليحتدم التنافس بين حكّام الرياض وأبوظبي من أجل الزعامة وبسط النفوذ. ولكن المشيئة الإلهية التي أفسدت مشروع قريش الذي كان يهدف للقضاء على محمّد ومشروعه الإلهي وقيمه، ستفشل المشروع القبلي الجديد، وسيظل أهل اليمن أحرارا كما عهدهم العالم، وسوف يرفضون وصاية هؤلاء الطغاة بإيمانهم وصمودهم وبسالتهم.
تعيش الأمة وهي تودّع العام الميلادي الحالي وتستقبل عاما آخر أوضاعا مضطربة بفعل السياسات القبلية والرغبة في التوسع وبسط النفوذ، مع تجاهل وجود الشعوب وحقوقها والإصرار على الاستبداد والديكتاتورية ومحاربة قيم الحرّيّة والتصدّي لمشاريع التطور السياسي والتمثيل الشعبي. ويظن هؤلاء أن ما لديهم من سلاح وعتاد سوف يوفر لهم القدرة على كسر إرادة التحرّر المختزنة لدى أبناء الجزيرة العربية، وفات هؤلاء أن من فعل هذا من أسلافهم باء بالخسارة الكبيرة التي قضت على وجوده. إن لدى الشعوب، إذا استيقظت ووعت والتزمت بقيم دينها الحنيف وقيمها الإنسانية، قدرة فائفة على التصدّي للظلم والاستبداد ودحر العقلية القبلية المقيتة، وستكون قادرة، بعون الله على حماية أراضيها وحقوقها وإنسايتها، بشرط الاعتماد على الله وصدق النيّة والإخلاص في الموقف والصمود أمام زحف الظالمين.
يستقبل شعبنا البحراني، وبقية شعوبنا العربية والإسلامية، العام الميلادي الجديد بروح تتطلع للنصر والحريّة، ولكنها محاصرة ببغي الباغين وظلم الحاكمين. هذا الشعب أصبح اليوم أكثر وعيا وأعمق إيمانا بضرورة التوحيد الخالص الذي يقتضي التمرد على الطاغوت وكل من يضع نفسه موضع الإله ويسعى لممارسة دور الربّ. وما الصراع بين أغنى نظامين في الرياض وأبوظبي إلا أحد تجلّيات الجهل والغرور والجشع والاستكبار، فلدى كل منهما من السلاح ما يكفي لتدمير المنطقة كلها، ولكنه سلاح كليل لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يصمد أمام إرادة الشعوب وإصرارها على الحياة والبقاء والتحرّر. لذلك ليس متوقعا أن يتمخض الصراع إلا عن نتيجة واحدة: اندحار الجيوش التي استضعفت شعب اليمن وسعت لتحويل أرضه إلى ساحة للصراع والخلاف والاحتراب. وهذه نتيجة مؤكّدة لأن المكر السيُء لا يحيق إلّا بأهله، ولأن الله غالب على أمره، ولأن يد الظلم قصيرة وروح الجشع مهزومة لا محالة. لذلك ستصبر شعوبنا وتكتفي بمراقبة الوضع، مع إصرارها على الحياة الحرّة الكريمة والتمتع بكافة الحقوق الإنسانية ورفض وصاية العائلات الحاكمة التي جرّت المنطقة إلى الويلات والحروب وشيّدت السجون للتنكيل بعلمائها وأبنائها. إن هدر أموال المنطقة وطاقاتها في حروب لا طائل فيها جريمة أخرى تضاف لجرائم الاستبداد والعدوان، وسوف تساهم في إسقاط الطغيان والظلم بعون الله تعالى، وإن غدًا لناظره قريب.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا رب العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
1 يناير 2026