راية يحملها الشعب من أجل التغيير لن تسقط يومًا
تمثل الأعياد عادة مناسبة لتقارب المواطنين سواء من خلال الزيارات المتبادلة أم تبادل التهاني والتبريكات، أم الإنفاق في أعمال الخير بكافة أشكالها. وهذا ما يحدث هذه الأيام في البلدان التي تهتم بمناسبة “الكرسمس” المرتبطة بميلاد السيد المصيح عليه السلام. وبغض النظر عن دقّة اعتماد هذا التاريخ للاحتفاء بذلك، فإنه أصبح موضع توافق عام، وإن كانت الكنائس الشرقية تلتزم بتاريخ آخر في الشهر الأول من العام الميلادي. وبرغم تحوّل المناسبة إلى فرصة للانشغال بالماديّات خصوصا من قبل الشركات والمؤسسات التجارية، فما تزال أبعادها الثقافية والاجتماعية تلقي بثقلها على المجتمعات الغربية. هذا برغم تلاشي أبعادها الروحية وتوجه الكثيرين للتخلّي عن البعد الروحي الذي تمثله ولادة السيد المسيح عليه السلام. مع ذلك تهتم الكنائس بالمناسبة وتنظم برامج للصلاة وإقامة الاحتفالات المرتبطة بها. أما على الصعيد الاجتماعي فإن هناك اهتماما غير عادي، يكاد يكون الأوسع خلال العام، حيث يتم تبادل بطاقات التهنئة والهدايا وإقامة الحفلات واللقاءات العائلية.
لكل أمة أعيادها ومناسباتها التي تعمل لجعلها ذات أبعاد ثقافية تنعكس على حياة الناس ويتم توجيهها للتأثير على الرأي العام بما يخدم مصالح المجتمعات. ومن المؤكد أن يتأثر المسلمون الذين يعيشون في الدول الغربية بهذه الأجواء، سواء بالتفاعل مع المسيحيين أم المشاركة في فعاليات ميلاد السيد المسيح، أم التدبر في موقع السيد المسيح عليه السلام في العقيدة الإسلامية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اسمه ورد في القرآن 25 مرة، بينما ذكرت أمه السيدة مريم العذراء 34 مرّة.
وهذا يكشف عمق الترابط بين الأديان السماوية، خصوصا الإسلام والمسيحية. وتمثل السيدة مريم وابنها عيسى أقوى عاملين في هذا الترابط، فهما مقدسان لدى المسلمين، ويمثلان امتدادا للرسالات السماوية. ويذكر القرآن الكريم ما جاء على لسان عيسى إذ يقول: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. إنه ارتباط عقيدي متين، يدفع للتدبر في هذه العلاقات واستيعابها ضمن النص القرآني من جهة ونصوص الأنجيل من جهة أخرى. وبعيدا عن الانحرافات العقيدية والفكرية التي حدثت في القرون الماضية نتيجة تحوّل العقيدة إلى مجال للاجتهادات الشخصية والاختلاط الطبيعي بين الثقافات والأديان، فإن مصدر التشريع الديني الحقيقي واحد، وهو الله سبحانه وتعالى. فوحدة العقيدة يتبعها وحدة التشريع ووحدة المفاهيم بل حتى المشاعر والأحاسيس.
في مناسبة عيد ميلاد المسيح عليه السلام حسب ما هو سائد في الغرب، ليس هناك ضير من احتفاء المسلمين بالمناسبة لتأكيد وحدة الدين والتشريع والانتماء للسماء. إن من الصعب تجاوز الاختلاف الذي يبدو جوهريا أحيانا بين الإسلام والمسيحية إزاء السيد المسيح. فهو في العقيدة الإسلامية أحد الأنبياء البارزين الذين يعرفون بـ “ذوي العزم”، وأنه من نوع البشر، وُلد من غير أب، ومنحه الله كرامات خاصة وقدرة على علاج بعض الأمراض وإحياء الموتى بإذن الله. وإذا أراد المؤمن أن يوسّع دائرة إيمانه، فإنه مدعوّ للتعرّف على السيد المسيح ونشأته، خصوصا أن القرآن الكريم خصّص آيات كثيرة لقصة عيسى وأمه، وأسهب في الحديث عن بني إسرائيل والأقوام الآخرين، وذلك من أجل توضيح صورة المسار التاريخ للنبوّات خصوصا في الحقبة التي سبقت الإسلام. إن وحدة الدّين ثابتة في القرآن الكريم، فهي جميعا تدعو إلى الإسلام بمعناه التوحيدي: إن الدين عند الله الإسلام. وهذا تأكيد على وحدة الرسالات السماوية ومقاصدها.
تمثل الظاهرة الدينية أساسا لمجتمعاتنا بشكل عام، فهي تشعر بالانتماء لدين الله، وتحترم رسالات السماء وتقدّس أنبياء الله بدون تمييز، وتعتبر رسالاتهم واحدة في جوهرها، وأن التوحيد هو العقيدة المشتركة بين تلك الأديان، وأن الشرك بالله مرفوض جملة وتفصيلا. هذه هي عقيدة مجتمعاتنا، ومنها تستمد قيم الحرّيّة المؤسسة على التوحيد الخالص وأن أحدا من المخلوقين لا يملك حق التصرف في حياة الآخرين أو استعبادهم. ولذلك تتضمن دعوات التحرّر الخالصة انتماءها لحقيقة التوحيد، والله سبحانه وتعالى هو عنوان ذلك التوحيد. ومن مصاديق التوحيد الإيمان بحاكمية الله المطلقة: ألا له الخلق والأمر. وحيث أن الإنسان مستخلف في الأرض، فهو مطالب بالتصدي لمن يضع نفسه موضع الربوبية أو يسعى لاستعباد البشر على أساس التحكم في مصائرهم وفرض ما يراه من أحكام وأنماط حياة. هذه الحقائق، كانت وما تزال، دافعا لذوي الإيمان للسعي الدائم لتحقيق حكم الله ورفض حكم الطاغوت. إنه الصراع التاريخي بين المؤمنين ومن يضع نفسه في موضع الربوبية وفق المنطق الفرعوني: “قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلّا سبيل الرشاد”.
لذلك سعت ثورات الشعوب العربية لإنهاء حالة الاستعباد والتجبّر التي فرضتها أنظمة الاستبداد على شعوبنا العربية بشكل خاص. وانتفض البحرانيون على مدى أكثر من نصف قرن، أي منذ الاستقلال، لتحقيق الحرّيّة للشعب، وإنهاء حقبة التجبّر والاستعباد والاسترقاق. فلم ينطلق البحرانيون خلال تاريخهم النضالي إلّا من أجل إقامة الحق والعدل، وممارسة الإصلاح، وكلها عناوين لإقامة حكم الله في الأرض. هذا الحكم في جوهره يهدف لتحرير الإنسان من الاسترقاق لأخيه الإنسان، وتفصيلات ذلك متروكة للبشر الذين ينظمون حياتهم بما ينسجم مع إرادة التحرّر والانعتقاق للبشر الآخرين، ولم يخطيء المناضلون السائرون على هذا الطريق عندما أطلقوا على ضحاياهم وصف “الشهداء”. فهؤلاء إنما تحرّكوا بدافع من إيمانهم ووعيهم، ولم يكونوا دعاة سلطان يوما، بل كانت أرواحهم على أكفّهم وهم يتصدّون لمن يسعى لوضع نفسه مكان الله، ويسعى لتركيع الناس وإخضاعهم لما يراه هؤلاء الحكّام من قوانين يفرضونها على البشر بقوة السلاح والغلبة. ونادرا ما يطرح أي من هؤلاء الحكّام مشاريعهم للنقاش والتدبر من قبل البشر الآخرين، بل أن لديهم أجندات عائلية تهدف لتركيز الحكم والسلطة بأيدي المتسلّطين الذين يمعنون في إيذاء مناوئيهم والتنكيل بهم، خصوصا في غياب حكم القانون. إنه فصل آخر من ملحمة نضال الشعب البحراني يهدف لاسترداد حق الحكم من العائلة التي فرضت نفسها على البشر بالنار والحديد، واستمرت في استهداف المؤمنين الذين لا يرضيهم حكم الجاهلية الذي يفرضه الطغاة على البشر.
بعد أن أحيا البحرانيون ذكرى عيد الشهداء وجدّدوا عزمهم على الاستمرار في طريق النضال من أجل إنهاء الحقبة السوداء واستبدالها بمنظومة سياسية عصرية تنسجم مع التعليمات الدينية والمواثيق الدولية، بدأوا البحث عن طريق المستقبل. إنهم يسعون لاسترداد حرّيّتهم بدون مساومة، ويسعون لإقامة الحكم المتحضّر الذي يستند لقيم الدين ومفاهيمه ومبادئه، ولا يخشون في ذلك قول قائل أو عذل عاذل. فهم مطالبون برفع راية التغيير والاستعداد لتقديم التضحيات على ذلك الطريق. وقد أثبتوا بصلابتهم وصمودهم استعدادهم للتصدّي للظلم والاستبداد بدون إكراه أو إجبار من أحد. لذلك فنحن واثقون بأن شعارات التغيير والتحول السياسي ستظل ثابتة لا تخضع للمساومة أو التنازل، لانها جزء من المسؤولية الدينية والإسلامية. وتأتي الذكريات الوطنية لترسّخ القناعة بضرورة التصدّي للنظام الشرّير الذي يعتمد على دعم الاجانب لضرب حركة التغيير المنبثقة من داخل الوطن وليس من خارجه. وهذا ما حدث هذه المرّة. فقد أحيا المواطنون عيد الشهداء بوفاء وإخلاص وحطّموا بذلك شوكة العصابة الحاكمة التي لن تبقى في الحكم طويلا بإذن الله تعالى.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا رب العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
19 ديسمبر 2025