عيد الشهداء: الاحتضان، الإحياء، التوثيق
في البداية يجدر الإشارة إلى ضرورة إحياء عيد الشهداء في 17 ديسمبر بما يليق به من تجمعات واحتجاجات وشعارات. فهو يوم مشهود في تاريخ البلاد وحركته السياسية. كما أن للشهداء حقّا علينا جميعا لإحياء ذكرياتهم ورفع شعاراتهم ومطالبهم. لذلك نهيب بالشعب المساهمة الفاعلة في إحياء المناسبة وإظهار التحدّي لنظام الاستبداد والتعذيب والقتل. إنها مناسبة لاستعادة التاريخ المعاصر للوطن والشعب، وذلك يستدعي توثيق ما حدث طوال العقود الثلاثة منذ استشهاد الهانيين في 17 ديسمبر 1994.
إن كتابة الذكريات ضرورة لتوثيق التاريخ، فمهما كانت هذه الذكريات تبدو هامشية فإنها تكشف جانبا من التاريخ الذي عاشه صاحبها. هذا التاريخ لا يملكه أحد، بل هو قصة متسلسلة لحوادث وتطورات تهم قطاعات واسعة من البشر. ويسود اعتقاد شائع بأن الأشخاص “المهمّين” هم المطالبون بتوثيق تاريخهم الشخصي، أما الآخرون فليس لديهم من تاريخ حياتهم ما يقدّمونه للأجيال القادمة. وهذا تصوّر غير دقيق ولا يُفيد الحقيقة في شيء. بل أن تضافر جهود الأفراد من خلال تسجيل وقائع حياتهم كفيل بأن يقدّم صورة أكثر تكاملا لحدث واحد أو عدد من الحوادث. فلكل شخص منظوره الخاص لذلك الحدث، وتوثيقه يساهم في توضيح الصورة وإضافة بعض التفصيلات التي تغيب عن الآخرين.
في ثقافتنا البحرانية، هناك إحجام عن تسجيل الذكريات لأسباب عديدة: أولها غياب التوجيه من المهتمّين بشؤون البلاد وتاريخها، ثانيها: عمق حالة التواضع لدى الأفراد، فلا يرون في حياتهم ما يفيد الآخرين أو يساهم في توضيح الحوادث والوقائع التي ربما كانوا جزءا منها. ثالثها: حالة التثاقل التي تدفع الفرد للاعتقاد بانه لن يستطيع لملمة أفكاره وتركيزها بعد مرور سنوات كثيرة على بعض الوقائع التي عاشها وربما ارتبط بها. رابعها: الخشية من طرح الواقع بحقائقه، والشعور بأن ذلك قد يزعج بعض الأفراد الذين كانوا جزءا من المشهد، على أساس الاعتقاد أن تسجيل المشاهدات والأدوار الفردية محاولة للتأثير على الصورة التاريخية الحقيقية. خامسها: حالة الانطواء على الذات، وعدم توسيع دوائر التفكير والاهتمام لدى الأشخاص، فالفرد ينظر لسيرته أنها خاصة بها ولا صلة لها بالآخرين، بينما الحقيقة أن تلك السيرة تحتوي أبعادا متصلة بالآخرين، فحركة الشخص لا تحدث في فراغ، بل في فضاء اجتماعي يعج بالحركة والأدوار. من هذا تتضح أهمية تسجيل الذكريات، وأن لها دورا في عرض التاريخ وفهمه والتعرّف على الجوانب الديناميكية للحركة الاجتماعية خلال الفترة التي تغطّيها تلك التسجيلات.
ما أكثر ما يقال أن التاريخ يكتبه الحكّام ولذلك لا ينصف الشعوب المغلوبة على أمرها، التي تكدح من أجل كسب لقمة عيشها. وهذا صحيح لأن الحكام لديهم من يكتب عنهم ما يريدون. لكن ذلك لا يُعفي الأفراد والجماعات من مسؤولية التوثيق وذلك حفاظا على الحقيقة والتاريخ. ولكن الكتابة متعبة للكثيرين. مع ذلك فمن يحرص على تقديم خدمة للإنسانية فعليه أن يبذل جهدا كبيرا في سبيل ذلك. وكتابة الذكريات فيها خدمة للحقيقة وتوثيق للتاريخ مهما كان الشخص هامشيا في الحياة. فمن هامشه يرى الحياة تسري حوله وفيها أعداد كبيرة من البشر تساهم في تشكيل التاريخ في تلك الحقبة من الزمن. وتدوين ما يجري فيها يساهم في التوثيق الضروري لأرشفة حركة التاريخ. فكل شخص له دور حتى لو كان مراقبا فحسب. فإذا لم يفعل الأفراد ذلك، خصوصا ذوي المواقع الاجتماعية والسياسية المتقدمة، فإنهم يخذلون الحقيقة ولا يساهمون في كشفها وتوثيقها.
إن الامتناع عن كتابة المذكرات الشخصية له أسبابه التي في مقدمتها تعمّق “العفّة” في النفوس، وشعور الفرد بأن عليه الابتعاد عن الأضواء بالإضافة لفهمه الخاطيء بأن كتابة السيرة الذاتية أو تسجيل الدور، إنما هو من أجل التظاهر وصنع البطولات. فإذا “تعفّف” المؤثرون ولم يوثّقوا سيرهم فإن الصورة التاريخية تبقى ناقصة، وهذا النقص يؤثر على الحقيقة، ويهمّش أدوار الأفراد الذين مارسوا أدوارا اجتماعية وسياسية في مجتمعاتهم. وفهم المجتمعات وتطورها يقتضي الإلمام بتفصيلات ما يجري فيها، وهذا التفصيل التراكمي يكمل التوثيق التاريخي الذي هو ضرورة لخدمة الحقيقة. ولذلك يجدر بالبشر المبادرة لتسجيل ذكرياتهم بقدر من التفصيل. فمهما كان دور الفرد محدودا، فإنه قطعة من لوحة لا يكتمل المنظر بدونها. وحريٌّ بالواعين أن يحثّوا النشطاء من إخوانهم على تسجيل تجاربهم، وإن يمعنوا في ذلك الحثّ حتى ينكّب بعضهم على تدوين سيرته الذاتية وتوضيح الدور الاجتماعي او السياسي الذي مارسه، ابتداء بتشكيل فريق كرة قدم محلّي في ريعان الشباب، مرورا بالتجارب المدرسية، وصولا لدور الإدارة والقيادة في سنّ الرشد. فكل تلك الأدوار والتجارب يمثل تجربة شخصية متكاملة تساهم في توضيح مسار المجتمع خصوصا إذا كان في طور التكوّن. فبدون تلك المحاولات تغيب عن الناظر مشاهد المساهمات الفردية والأدوار في تنمية المجموعة أو المجتمع الذي ينتمي له الفرد.
السيرة الذاتية تحتوي عادة على توضيح دور صاحبها في التطور الاجتماعي، خصوصا إذا قدّمت كشهادة على حركة المجتمع وتأثر ذلك بالتطورات الإقليمية وربما الدولية. وعند الانكباب على الكتابة يرى الكاتب نفسه مدفوعا لاستحضار بعض المقاطع من سيرته الذاتية او من حركة المجتمع وربما العالم في تلك الحقبة. فيساهم في توضيح النظرة للبيئة من وجهة نظر محايدة توفر للباحثين معلومات ربما لا تتوفر في كتب التاريخ التي يكتبها الباحثون والأكاديميون والمؤرّخون. فكل أولئك غالبا ليسوا جزءا من المشهد، بل هم باحثون متخصصون ينظرون ألى الوقائع بقدر من التجرّد والموضوعية. فهم ينظرون للسياقات التاريخية من مواقعهم الهامشية وليس من عمق مواقفهم العملية في معمعة الحوادث. وهناك اهتمام في الغرب عموما بتشجيع كتابة السير الذاتية خصوصا للساسة الكبار والعلماء، فإذا ما صدرت مذكرّات شخصية قيادية معروفة، انهالت عليها الطلبات خصوصا من الإعلاميين الذين يسعون لقراءة ما بين السطور وتقديم منظور تاريخي لما يعرفونه من حوادث. وتتسابق دور النشر لكسب ثقة السياسيين على أمل أن يقوموا بتدوين تجاربهم ضمن مشاريع لكتابة المذكرات الذاتية والسير الشخصية، لأنها تعلم أن هناك إقبالا على تلك السير، وأن مبيعاتها سوف تدرّ عليهم أموالا كبيرة بالإضافة لما توفره من سمعة ودعاية للجهة الناشرة.
إننا هنا نحث الإخوة والعلماء على الإسراع بكتابة سيرهم الذاتية، فليس هناك من ليس لديه ما يقول. وبخصوص تاريخ البحرين المعاصر فإن هناك شعورا بأن القيادات الشعبية قد أسلمت كتابة تاريخ البلاد إلى الجهة التي طالما شوّهته بدفع المحسوبين عليها لكتابة سيرهم ضمن الظروف القائمة. مطلوب كتابة واعية للسير الذاتية من قبل الناشطين والرموز، بعيدا عن الشعور بالتواضع والتعفّف وعدم الرغبة في الظهور. فهذه مقولات لا تخدم الحقيقة ولا تساهم في توثيق مسارات الشعوب ودور الأفراد في تأطير تلك المسارات. فما أكثر الذين ساهموا في تأسيس العمل الوطني والإسلامي، وما اكثر الذين اعتقلوا وتعرّضوا للتنكيل بسبب أدوارهم لتطوير الأداء السياسي لمجتمعاتهم. هؤلاء جميعا مدعوون للمبادرة لتسجيل تجاربهم من خلال كتابة سير ذاتية حتى لو كانت متواضعة وقصيرة. فكل لبنة في هذا المجال تساهم في بناء الطود الشامخ للوطن من خلال استيعاب مساره التاريخي ودور الأفراد في صياغته. وبدون ذلك سيظل التاريخ منحازا وربما مزوّرا وعلى الأقل ناقصا، وهذا لا يخدم الحقيقة ولا يبني الوطن. ولا شكّ أن توثيق عيد الشهداء ضرورة لتوثيق النضال الوطني وما صاحبه من تضحيات أدّت لاستشهاد المئات من المواطنين. فليكن عيد الشهداء هذا العام منطلقا لتجديد الثورة ومحاصرة الاستبداد والظلم، فهذا ما يتوقعه شهداء الوطن.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
12 ديسمبر 2025