قمّة البحرين الخليجية لم تكن بمستوى تطلعات المنطقة وشعوبها
كان بإمكان زعماء دول مجلس التعاون الخليجي أن يوجّهوا قمتهم الـ 46 التي عقدت هذا الاسبوع في البحرين، للتصدّي للتوتر الداخلي الناجم عن غياب الممارسة الديمقراطية ضمن دساتير تحظى بتوافق الشعوب مع الحكومات. كان بإمكانهم مثلا أن يحثوا حكومة الدولة المضيّفة لإفراغ السجون والاستماع لمطالب شعبها وإنهاء معاناة المهجّرين واعتماد سياسة اقتصادية توفّر فرصا للعاطلين عن العمل بشكل فعلي. كان بإمكانهم ايضا أن يتوافقوا على استراتيجية دفاعية وأمنية مشتركة بدلا من التلاعب بالألفاظ لإخفاء حقيقة الخلافات بين هذه الحكومات حول هذه القضايا. كما كان بإمكانهم مناقشة الاتفاقات الدفاعية مع الدول الغربية خصوصا أمريكا وبريطانيا لتكون اتفاقات واحدة بين دول المجلس مجتمعة وكل من بريطانيا وامريكا، وليس اتفاقات معهما توقعها كل دولة بمفردها. فما معنى أن توقّع السعودية بمفردها معاهدة دفاعية مع أمريكا، وتفعل الإمارات وبقية الدول كذلك؟ فهذه الصيغة مع كبرى دول العالم تجعل هذه الدول مكشوفة تماما أمام الولايات المتحدة التي تستخدم هذه الاتفاقات والمعاهدات المنفردة فرصة لنهب أموال كل من هذه الدول حسب ما تملكه خزيناتها من أموال. ويُفترض أن تكون لمجلس التعاون الخليجي، كتكتل إقليمي، سياسة واضحة إزاء التحالفات العسكرية التي ترتبط بشكل وثيق بأمن الخليج ومصالح دوله وشعوبه. أما النمط الحالي من التحالفات والاتفاقات الدفاعية فلا يخدم تل الأهداف، وقد يساهم بعضها في حماية بعض الأنظمة الحاكمة بشكل نسبي فحسب.
القضايا المذكورة تم تجاهلها وعدم تسليط الضوء عليها، وبدلا من ذلك سُلّطت الأضواء على القضايا المتكرّرة التي يتوافق الزعماء عليها في كلّ القمم. وبذلك يتضح أن القمم لقاءات مجاملة بين هؤلاء الزعماء لا تتسم بالجدّيّة والصراحة. وتكفي الإشارة إلى إن هذه ما سُمّي “قمّة الصخير” لم تستغرق سوى ثلاث ساعاتي قضى الزعماء نصفها على المجاملات وتقبيل الأنوف وتبادل التحيّات. ولم يناقشوا القضايا التي جاءت في البيان الختامي، بل تركوها للوزراء والمدراء العامّين الذين اجتمعوا في الأيام التي سبقت “القمّة” وأقرّوها. هنا أصبح هؤلاء الحكّام ليسوا سوى أبواقا تردّد الكلام عن التوافقات التي أقرّها غيرهم. وتعتبر “قمّة الصخير” أقصر القمم الخليجية على الإطلاق، برغم ما أنفق عليها من أموال طائلة، لتوفير حالة من ا لبذخ غير المحدود في الوقت الذي تعاني منه الشعوب من ضائقة اقتصادية واسعة وأسعار مرتفعة ورواتب متدنّية، وبطالة مقنّعة. فقد هبطت مستويات المعيشة في كافة دول المجلس مقاربنة بما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما. ويستحيل على المواطن العادي اليوم توفير منزل له ولعائلته، حتى لو كان مهندسا أو موظفا بدرجة عالية. ومع ارتفاع أسعار الخدمات العامة كالكهرباء والغاز، بدأ الكثيرون يشعرون بضغوط مادّيّة غير مسبوقة.
دول مجلس التعاون الخليجي تعاني من ارتفاع الديون نتيجة العجز الكبير في الموازنات العامة، وتراجع أسعار النفط في السوق العالمية. فسعر برميل النفط لا يتجاوز الستّين دولارا، وهو سعر أقل مما كان عليه في فترات سابقة. وكان هناك توجّه غربي لتنزيل ذلك السعر إلى النصف تقريبا، ولكن حساباتهم السياسية منعتهم من الإقدام على ذلك. فمن المؤكّد أن دول المجلس سوف تشهد اضطرابات أمنيّة واسعة إذا تعمّقت حالة التقشف وقلّ الانفاق العام، ورفع الدعم عن السلع الأساسيّة. هذا في الوقت الذي يمارس فيه صندوق النقد الدولي ضغوطا لرفع أسعار البنزين في هذه الدول، ولكن ا لخشية من الارتدادات السياسية لتلك الخطوة منعت ذلك. والأمر نفسه يسري على أسعار الكهرباء والغاز، فلو شهدت أسعارهما اترافعا ملحوظا لحدثت توترات أمنيّة وسياسيّة، الأمر الذي أصبح العامل المقلق الأكبر الذي يحدّد اتجاهات رفع الإسعار أو الإبقاء عليها خصوصا في قطاعات الطّاقة. ويشهد بلد كالبحرين حالة ركود اقتصادية مغللفة، فقد أصيبت سوق العقار بضربات كبيرة نظرا لانخفاض الامكانات المالية لدى الطبقة الوسطى من المجتمع، نتيجة التراجع الاقتصادي الذي لا يحظى باهتمام إعلامي مناسب. ومن الضرورة كذلك طرح ثقافة أخرى بموازاة ثقافة الاستهلاك غير المحدود، خصوصا في عالم يشهد طفرات تكنولوجية كبيرة ينجم عنها إنتاج أجهزة اتصالات متطورة كالهواتف والسياسات والأجهزة المنزلية، وكلها يستنفذ أموال الناس ويؤثر سلبا على خزانات الدول. وهذا يتطلّب إعادة صياغة عقلية المواطنين بما يعمّق لديهم الإحساس بالمسؤولية والتوجّه نحو الانتاج واحتواء ظاهرة الاستهلاك المفرط.
إن من الصعب الاعتقاد باستمرار الرخاء الاقتصادي بدول الخليج العربية، خصوصا مع تأرجح أسعار النفط من جهة واستحداث مصادر بديلة للطاقة. ولم تستطع هذه الدول حتى الآن التوصل لبدائل اقتصادية بجانب النفط، برغم ان التجارة البينية في ما بينها وصلت مستويات عالية، وجاء ذكرها في البيان الختامي الذي صدر عن القمّة الأخيرة. ولم يستطع المشاركون إخفاء قلقهم من الركود الاقتصادي الذي يعصف بالمنطقة من جهة وتراجع دول مجلس التعاون عن القيام بدور ريادي لدعم العمل العربي المشترك. كما لم يستطع المشاركون القفز على الحقائق التي تعيشها البحرين، سواء على المستوى الاقتصادي الذي تسدّ دول الخليج العجز الذي يعاني منه، أم على المستوى السياسي الذي يؤكده وجود معارضة بحرانية واسعة، لها تاريخها الطويل ومؤسساتها وأرضيتها الشعبية الواسعة. وبرغم التعاون الأمني بين دول المجلس وتسليم عدد من معارضي الحكم الخليفي، فقد توسعت المعارضة وأصبح لها مؤسساتها وأصواتها الإعلامية وشبكاتها السياسية. ويشعر حكام البحرين أنهم عاجزون عن مواجهة المعارضة لوحدهم، برغم ارتكابهم أبشع الجرائم بحق النشطاء السياسيين وتوسيع السجون التي ضمّت في بعض الحالات أكثر من 5000 سجين سياسي. وكانت خشية العصابة الخليفية من خروج تظاهرات أو حدوث تجمعات سياسية خلال القمّة كبيرة، ولذلك أقاموا فعاليات القمّة في منطقة الصخير النائية عن المناطق السكنيّة في شمالي البلاد. وكان الأجدر بمجلس التعاون التصدّي لهذه الحقيقة والضغط على حكومة البحرين لتخفيف قبضتها الأمنية على الوطن والشعب. فليس من مصلحة مواطني الخليج استهداف أيّ شعب أو مجموعة من المواطنين بدوافع سياسية ولأهداف غير واضحة.
باستعراض مخرجات القمّة السادسة والأربعين لدول مجلس التعاون الخليجي يتضح قصوره عن مواكبة احتياجات دول المجلس والمنطقة خصوصا في جوانب التطوير السياسي والمجتمعي. ومن أسباب ذلك غياب رغبة الحكام في بناء مجتمعات عصرية واعية، وصقل عقليات المواطنين بما يتناسب مع مستلزمات التحول الديمقراطي والتعدّديّة وترويج قيم الحوار والتفاهم، بعيدا عن المواجهة والصراع والعنف. فإذا فشلت القمم الخليجية في إنتاج ذلك، فليس هناك منابر أخرى تستطيع إقرار سياسات جديدة تؤدّي إلى ذلك. وبالتالي ستبقى الشعوب تتحرك ضمن دوّامة من الصراع والتنافس والشكوك المتبادلة وانعدام الثقة بين الحاكمين والمحكومين. وبذلك تتوقّف عملية التنمية وتتلاشى روح الاستقلال والاعتماد على الذات، والتكامل الاقتصادي والسياسي، وكلها من ضرورات التنمية والتطور والأمن والاستقرار. لقد فشلت قمّة الصّخير في التطرٌق لمستلزمات نهضة منطقة الخليج واقتصرت على لقاء الزعماء لفترة قصيرة لا تتجاوز الساعات، بدون أن يتطرّقوا عمليّا للقضايا الجوهرية المطلوبة للانطلاق على طريق التطور والنماء والإصلاح السياسي والاقتصادي. ولن يؤدّي الضجيج الإعلامي لتغيير هذه الحقيقة، فلا بدّ من المصارحة والشفافية وتجميد آليات القمع وأدواته لينطلق حوار داخلي جادّ على طريق الإصلاح الشامل.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
5 ديسمبر 2025