بيانات حركة أحرار البحرين

الاعتقال يزيد اشتعال الثورة، ويساهم في الإسراع بسقوط النظام

لن يحظى ابراهيم شريف بمحاكمة عادلة يديرها نظام سخّر إمكانات الدولة للتعدّي على الشعب ومصاردة حقوقه وحرّيّاته. ولا فرق بين أن يبقى المعتقل السياسي معتقلا بقرار إداري أو بحكم من محكمة سياسية يديرها الخصم. فهل تتحقق العدالة إذا كان القاضي هو الخصم؟ لذلك فقرار سجنه أو الإفراج عنه إنما يخضع لمزاج الطاغية وليس لمقتضيات العدالة التي لا تنسجم مع الحكم القبلي المطلق. وكما يرزح رموز الوطن والشعب في سجن الطغاة منذ 15 عاما، فليس معلوما ما إذا كان هذا الطاغية سيقر إبقاءه وراء القضبان أم يخلي سبيله. أيًّا كان الأمر، فسوف يستمر الوضع البحراني خاضعا لإرادة الخليفي المحتلّ الذي يعامل البحرين وأهلها بعقلية “الفتح” المعشعشة في عقول الخليفيين. هذه العقلية مسؤولة عن معاناة أجيال تردّدت على السجون وعاشت في المنافي وذاقت طعم الظلم الذي فرضه الخليفيون على البلاد والعباد منذ أن احتلّوا الأرض. هذه العقلية لم تتغير أبدا، ولم تستفد من التجارب التي تؤكد استحالة استمرار الهيمنة القبلية المطبقة برغم ما تحظى به من دعم أجنبي. هذا الدعم لا يهدف لحماية البلاد او تطويرها، بل لضمان مصالحه من خلال وكلاء محلّيّين يبحثون عن الشهرة والمال حتى لو كان على حساب إنسانيتهم وشرفهم.

وهكذا يبقى إبراهيم شريف شاهدا على ظلم الحكم القائم وإجرامه ومصادرته الحرّيّات والحقوق بلا وازع من أخلاق أو رادع من ضمير. وسيتم اقتياد المزيد من البحرانيين إلى زنزانات التعذيب بدون توقف، كما هو معتاد منذ أكثر من نصف قرن. إنها قصة الشعب المقهور الذي ما فتيء يدفع فاتورة العدوان الخليفي على الوطن تحت مسمّى “الفتح” الغادر الذي فرض سياسة الانتقام من الوطن والشعب في غياب العدالة والقانون والإنسانية. لقد تكرّر دخول هذا المناضل السجن منذ أن قرّر وهو شاب يافع أن ينتمي للشعب ويشاطره معاناته، رافضا هيمنة المحتلّ الخليفي وداعميه، ودفع لذلك ثمنا باهضا. ولكنه بقي طودا شامخا تشرئب له أعناق الأحرار سواء كانوا مغيّبين في السجون أم مشرّدين في المنافي أو ينتظرون تقرير مصيرهم من الرازحين على صدورهم بلا رحمة أو شفقة. لم يكن إبراهيم شريف وحده في هذا المضمار الذي سلكته أجيال متعاقبة طوال المائة عام الأخيرة، حتى بلغ الأمر ببعض أفرادها أن يتعرّضوا للنفي ويعيشوا في جزر نائية مثل جزيرة “سانت هيلانة” في المحيط الاطلسي. وعلّق بعضهم على المشانق بسبب مواقفهم النضالية الهادفة للحرّيّة والكرامة. أما الذين تردّدوا على السجون والمعتقلات فما أكثرهم، وما يزال الطغاة الخليفيون يبنون المزيد منها لاستقبال المناضلين وطلّاب الحرّيّة الذين تزداد أعدادهم عبر الزمن.

ماذا يعني النضال لدى إبراهيم شريف؟ فالرجل الذي قرّر الانتماء للشعب ويشاطره معاناته بدون حدود، ليس طارئا على الحركة الوطنية الراسخة في التاريخ المعاصر، بل ورث عن أسلافه فصولا من تاريخ نضال شعب ما فتيء يبحث عن حرّيّته وحقوقه، ساعيا لتقرير مصيره وإدارة شؤونه ضمن منظومة توفر له فرصة العيش بقدر من الأمن والراحة. إنه يرى النضال واجبا وطنيا وإنسانيا، يفرضه شعور الانتماء للإنسانية وحبّ الآخرين وعشق الحرّيّة ورفض الاستعباد والانقياد الأعمى لمن يفرضون أنفسهم حكّاما بقوة السيف ومنطق الغلبة والاستعباد. كما أنه احتضن روح النضال بآفاقها الواسعة، فلم ينحصر اهتمامه بالبحرين وأهلها فحسب، بل امتدّ ليرتبط بهموم الآمة ومعاناتها. وعلى رأس هذه المعاناة ما يحدث لفلسطين وأهلها من احتلال غاشم وتنكيل بدون حدود. لم يستطع شريف ان يبقى صامتا وهو يرى معاناة أخوته في العروبة والإنسانية يتضورون جوعا في غزّة، او يصرخون من عذاب الاحتلال. وتعمّقت مشارعه بالظلامة عندما رآى حاكم بلاده مهرولا للتطبيع مع الاحتلال والاعتراف به والتنصّل من قضية فلسطين وشعبها. إنه موقف هابط مثير للغضب والاشمئزاز لأنه ينطوي على قدر كبير من الأنانية واللامبالاة وإغماض العين والتنصل من المسؤولية الإنسانية والتاريخية تجاه شعب يتعرّض لأبشع أشكال الاحتلال وأفظعها.

لقد أنجبت البحرين أجيالا من المناضلين، راسخين كالجبال، ثابتين بلا تردّد، ومؤمنين بقضيتهم بدون غموض أو ارتياب. لقد مضى الكثير من هؤلاء إلى ربهم، ليقدّموا لربّهم شهادة على جرائم حاكميهم، وليتركوا وراءهم سجلّا حافلا بالعطاء والتضحية. أما الباقون فهم صامدون في كل موقع. ففي السجون والمعتقلات ترتفع أصواتهم من أجل الوطن والحرّيّّة والحق والعدل، لا يترددون في مواقفهم ولا ينالهم شيء من الشك في عدالة قضية شعبهم. وهل هناك أكثر صمودا من رجالنا الكبار، الاستاذ حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والدكتور عبد الجليل السنكيس والشيخ علي سلمان والشيخ عبد الجليل المقداد وعبد الهادي الخواجة وسواهم؟ هؤلاء قضوا حتى الآن خمسة عشر عاما وراء القضبان، وأبلوا بلاء حسنا في الميادين قبل اعتقالهم، وفي المعتقلات بعد سجنهم. وحين يلتقي ابراهيم شريف بهم مرّة ثانية بعد سجنه الأول، فسوف يحمل لهم رسالة من الشعب فحواها الصمود والثبات والتحدّي والإصرار، ولا مكان فيها للمساومة أو التراجع أو التعايش مع الظلم والظالمين. هذه الرسالة سوف تساهم في تجديد العزيمة لدى معتقلي الراي، وتجدّد الدماء في الشعب والقادة وتوفر دفعا قويّا للحراك الشعبي لمواصلة المسير حتى تحقيق الأهداف. إنها أهداف نبيلة ضحّى الشعب من أجلها على مدى عقود كثيرة، وتوارثتها الأجيال، وتوافقت عليها أطيافه. فلا تعايش مع الاستبداد التوارثي الخليفي، ولا مصافحة للايدي التي تلطّخت بدماء الأبرياء وسعت لكسر إرادة الشعب وتدمير هويّته والتنكيل بأبنائه ورموزه. إنها الممارسات التي يمارسها المحتلّون مع سكان الأرض الأصليين، غير عابئين بقيم أو مواثيق أو أخلاق. مجموعات الاحتلال هذه عادة تنسلخ من الأخلاق والمباديء وتتحرّك وفق غرائز قادتها الباحثين عن القيادة والجاه والمال. إنها عقلية الاستكبار الفاسدة التي لا تنسجم مع مباديء الإيمان والعدالة وحكم القانون.

لولا وجود أبطال مثل إبراهيم شريف وبقية القادة والرموز لاستطاعت قوى الظلام والقمع والاحتلال بسط نفوذها بدون مقاومة من أحد. ولكن أصبح واضحا أن الطاغية أعدّ العدّة ضد الشعب منذ عقود، معتقدا أن حكمه سوف يخلد إلى الأبد وأن قدرة الشعب على المقاومة والتصدّي للظلم محدودة وسوف تنتهي مع استمرار قمعه واضطهاده، والدعم الذي يحصل عليه من الأجانب. لقد أثبت شريف بموقفه وإصراره وتحدّيه أن رهان الطاغية فاشل وان نصيبه من النجاح لا يكاد يذكر. وهكذا لن يكون إبراهيم شريف آخر الصامدين، ولن يكون صوته آخر الأصوات الداعية للتحرّر والتصدّي للاحتلال والعدوان والديكتاتورية. فكلما اعتقل المناضلون، ازدادت عقيدة الشعب رسوخا بضرورة الثبات والإصرار والتحدّي، وأنه ليس هناك بديل لذلك إلا الهلاك وتلاشي الوطن والشعب وهيمنة الشيطان والظلام. وهذا ما يرفضه الشعب جملة وتفصيلا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وسيؤكد موقفه في احتجاجاته وتظاهراته التي سيحيي بها عيد الشهداء الشهر المقبل، تلك المناسبة التي أصحبت تقضّ مضاجع الطاغية وعصابته، بعد أن أفشلت مشاريعه التخريبية وأيقظت الشعب على واقعه المرير في ظل الحكم الخليفي، وصنعت جيلا واعيا يحمل راية الشهداء بدون خوف أو كلل أو تراجع.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل قهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الإسلامية
28 نوفمبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى