بيانات حركة أحرار البحرين

كلما سجنوا مواطنًا يومًا، تقدّم سقوطهم يومًا .. الخليفيون يضطهدون أهل الأرض، كما يفعل محتلّو فلسطين

حين يُعتقل المواطن بسبب بعض الكلمات التي أطلقها بهدف إصلاح أوضاع بلاده، فهذا يستدعي أن تتضاعف أعداد الذين يرفعون أصواتهم مطالبين بالتغيير. فنظام الحكم الذي يعتقل مواطنيه بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم ومواقفهم يجب ان يتغير لأسباب عدبدة: أولها أنه نظام استبدادي ديكتاتوري يصادر أبسط الحريات التي منحها الله للإنسان. ثانيها: أنه نظام لا يلتزم بقوانينه نفسه فضلا عن القوانين الدولية، ثالثها: أنه واقع تحت حاكم مستبد يصادر الحريات الأساسية ويقمع البشر ولا يحترم الآراء التي تختلف معه. رابعها: أنه فشل في مواكبة التطور البشري ولم يستطع اللحاق بالمسار الإنساني الذي ترك عصر الظلمات وراءه وقرّر الانفتاح والسماح بالحرّيّات العامة. خامسها: أن الحاكم المستبد لم يستوعب دروس التاريخ التي تكشف مصير الطغاة مهما كانت قوتهم المادّيّة وقوّة من يدعمهم. لقد أعمى التشبث بالحكم عيون رموزه، فأصبحوا يتصرّفون كالوحوش، تتلذذ ينهش لحوم الآدميين ولا تشعر بالانتماء للإنسانية أو الأخلاق أو القيم، وفاتها أن النظام الفاسد لا يدوم، كما جاء في القول المشهور: الحكم يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.

جاء اعتقال الأستاذ إبراهيم شريف هذا الأسبوع بقرار من رأس الحكم الذي يمارس الاستبداد بأبشع صوره ويرفض احترام حقوق الشعب ويصر على إبقائه خلف ستار حديدي يخنق أنفاسه. وهذا هو دأب الحكم القبلي الديكتاتوري الذي يحكم وفق أهوائه ولا يمتلك تفويضا شعبيا للبقاء في السلطة. ولقد ابتليت البلاد منذ عقود بحكم العصابة الخليفية القمعية التي يزداد إجرامها بدعم أجنبي، خصوصا من الاحتلال الإسرائيلي. لم يتحدث الاستاذ شريف عن أمر خارج عن المألوف او عن الخطاب الشعبي الذي يطالب بالحرّيّة والحقوق ويرفض إملاءات الطغمة الحاكمة التي ما برحت ترتكب الجرائم يوميا بحق المواطنين ولا ترعى حقوقهم ولا تشعر بالانتماء لهم. وفاتها أن المناضلين مثل الاستاذ إبراهيم شريف قد اعتادوا التردد على السجون والمعتقلات، وزادهم ذلك التردد حبّا للحرّيّة وإصرارا على مقارعة الطغيان والاستبداد. فالرجل الستيني بنى حياته على النضال وأصبح يستشعر لذّته ويعشق رواده، ولا يتردد عن ممارسته إذا اقتضى الأمر. فما عسى الطاغية أن يفعل؟ هل سيستمر في إزهاق أرواح معارضيه؟ فهل حصل من فعل ذلك إلا الخزي والعار والسقوط؟ وهل دام الحكم للطغاة وأعداء الحرّيّة؟ لقد ذهبوا ولاحقتهم لعنة التاريخ إلى الأبد.

وإذا كان اعتقال إبراهيم شريف بسبب تعبيره عن رأيه بطريقة سلمية، فما الذي ارتكبه آلاف المواطنين الذين اعتقلهم الخليفيون طوال العقود السابقة، ونكّل بهم وأصدر أحكاما بسجنهم بلغت الحكم المؤبّد؟ ما الذي ارتكبه الاستاذ حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والشيخ علي سلمان والدكتور عبد الجليل السنكيس والاستاذ عبد الهادي الخواجة وسواهم من الأحرار الذين رفضوا الاستعباد وعبّروا عن معاناة الشعب. لقد استشهد المئات من أجل استرداد الحرّيّة وعُذبت أجيال من الأحرار، واكتظت المعتقلات بمن أصرّ على المطالبة بحقوقه المشروعة وعلى رأسها حرّيّة التعبير. ولكن العصابة الخليفية تضيق ذرعا بالبحرانيين الأحرار خصوصا الذين يتمسكون بحقوقهم العامة ويرفضون الانصياع للاستبداد ويصرّون على مقاومة المطبّعين مع العدو. هؤلاء البحرانيون غرفوا مياه الحرّيّة من أجيال سبقتهم خصوصا الإمام الحسين بن علي عليه السلام الذي رفض السكوت أمام الحكم الأموي التوارثي الاستبدادي. هذا هو تراث شعبنا الأبيّ الذي يرفض طاعة اللئام ويشعر بالانتماء إلى مصارع الكرام.

وربما كان الجانب الآخر من قضية اعتقال إبراهيم شريف أكثر إيلاما. فقد التزم بموقفه الوطني والإنساني عندما دافع عن شعب فلسطين وانتقد الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أثار حفيظة الطاغية وعصابته. فالخليفيون لم يكتفوا بالتخلّي عن قضية فلسطين، او التحالف مع محتلّيها، بل نصّبوا أنفسهم جنودا في جيش الاحتلال، يتصدّون لمن ينال منه ولو بكلمة. فمتى كان احتلال فلسطين أمرا مشروعا؟ ومتى كان تأسيس كيان إسرائيلي وتشريد أهلها بشكل متواصل منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، مقبولا؟ لماذا هذه المبالغة في التحالف مع أعداء الأمّة والتنكر لحقوق أبنائها. ومن جانب آخر مَن الذيييي يسعى لإبادة شعبه بالسجن تارة والتعذيب أخرى والإعدام ثالثة والإبعاد رابعا واستبداله بشعب آخر عبر مشروع التجنيس السياسي خامسا ولا يهمه ما يحدث لشعب عربيّ مسلم آخر؟ إنها عقلية الاحتلال الغاشم التي تحكم كلا من فلسطين والبحرين، وهي عقليّة مدمّرة للقيم والأخلاق الإنسانية.

إزاء هذه العقلية الاستئصالية المدمّرة هل يستطيع مواطن شريف الصمت؟ كيف يمكن إضعاف التوجهات الشيطانية لدى الحكام إذا لم يكن هناك نضال ومناضلون، وإذا لم يتجذّر الوعي في النفوس؟ لذلك يستدعي التصدّي للسياسات الخليفية مواقف شجاعة تستنكر الباطل وتدعم الحق. والاحتلال هو الباطل بعينه، وضحاياه هم أهم الحق المسلوب الذين يستحقّون الدعم لكي يستعيدوا ذلك الحق. والأمل أن تتكرر المواقف التي تتصدّى للباطل وتدافع عن المظلومين، وهي مواقف ضروريّة لتمييز الحق من الباطل، ودعم المظلوم. فإذا لم يحدث ذلك أصبح الجميع معرّضا للعقوبة الإلهية بمقتضى سننه وقوانينه العادلة. فالساكت عن الحق شيطان آخرس، ومن لا يجيب استغاثة المظلومين فإن في إيمانه نقصا وفي إنسانيته شرخا. فالمواقف الشريفة لا تقصّر عمر الإنسان، بل تزيده شعورا بإنسانيته وكرامته، أما الاستسلام لنوازع الشيطان التي تزيّن الجبن والتراجع وعدم إغاثة المظلوم، فهو الذي يؤدّي إلى تآكل المشاعر الإنسانية وتقلّص الأحاسيس النبيلة والقيم العالية. وذلك لا يستقيم مع الرغبة في بناء الشخصية وتكاملها.

لقد آبى الأستاذ إبراهيم شريف أن يقضي حياته رقما هامشيا لا يمارس إنسانيته ولا يؤدّي واجبه الوطني والقومي. وكانت قضية فلسطين حاضرة لديه، كما هي حاضرة لدى المناضلين البحرانيين الذين يرزحون وراء القضبان وهم في أعمار متقدّمة وأوضاع صحيّة متداعية. لذلك يشعر هؤلاء بالرضا الداخلي أولا وبإنسانيتهم الحقيقية ثانيا، وبأدائهم واجبهم الرسالي ثالثا. لقد عبّروا بمواقفهم وتصريحاتهم عن أهداف الشعب وتطلعاته، ومن خلال مواقفهم البطولية عبّروا كذلك عن بطولته وكبريائه ورغبته في تخليص البلاد من الوباء الخليفي القاتل. كان إبراهيم أمام خيارين: فإمّا أن يؤدّي واجبه ويقول كلمته ويسجل شهادته أو يلوذ بالصمت كما يفعل الكثيرون، للحفاظ على نفسه وأهله ومصالحه. وعندما اختار المسار المكلف كان مستعدّا لتحمّل تبعاته. إنه ابنٌ بارٌّ لوطنه، مخلصٌ لأمّته، وفيٌّ لشهدائه، فلم يبخل عليهم بالكلمة والموقف، بل وجد راحته في أداء واجبه. قد تكون الشجاعة عملة نادرة في زمن المصالح المادّيّة، ولكنها متوفرة لدى الأحرار الذين يلتذّذون بالقيام بالمسؤولية وأداء الواجب. هؤلاء يقدّمون مصالح الأمّة والشعب على مصالحهم الخاصّة، ولذلك يدفعون الثمن باهضا، وهو ثمن يعلمون به سلفا، ولكنهم وطّنوا أنفسهم لتحمّله. ولولا هؤلاء الرموز الأبطال لهيمن الاستبداد والظلم على ربوع الدنيا. هؤلاء أصبحوا شهداء لله، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

لقد صمد إبراهيم شريف، والتحق بإخوته الذين سبقوه كالاستاذين حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين وعبد الجليل السنكيس وعبد الهادي الخواجة وبقية الرموز الأبطال. الأمر المهمّ لديه أنه أدّى الأمانة ووفى للشعب وأصرّ على رفع هامته شامخا بوجه الطغاة والمستبدّين والعملاء والمتصهينين. فطوبى له، فقد وفي للبحرين وفلسطين والإنسانية، وسيبقى حرّا في قيوده وطودا شامخا لا ينحني ولا يلين ولا يهين.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
21 نوفمبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى