اعتقال إبراهيم شريف يؤكّد استمرار عقلية الاضطهاد الخليفية
حين يعتقل المواطن بسبب بعض الكلمات التي يطلقها بهدف إصلاح أوضاع بلاده، فهذا يستدعي أن تتضاعف أعداد الذين يرفعون أصواتهم مطالبين بالتغيير. فنظام الحكم الذي يسجن مواطنيه بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم ومواقفهم يجب ان يتغير لأسباب عدبدة: أولها أنه نظام استبدادي ديكتاتوري يصادر أبسط الحريات التي منحها الله للإنسان. ثانيها: أنه نظام لا يلتزم بقوانينه نفسه فضلا عن القوانين الدولية، ثالثها: أنه واقع تحت حاكم مستبد يصادر الحريات الأساسية ويقمع البشر ولا يحترم الآراء التي قد تختلف معه. رابعها: أنه فشل في مواكبة التطور البشري ولم يستطع اللحاق بالمسار الإنساني الذي ترك عصر الظلمات وراءه وقرّر الانفتاح والسماح بالحرّيّات العامة. خامسها: أن الحاكم المستبد لم يستوعب دروس التاريخ التي تكشف مصير الطغاة مهما كانت قوتهم المادّيّة وقوّة من يدعمهم. لقد أعمى التشبث بالحكم عيون رموزه، فأصبحوا يتصرّفون كالوحوش، تتلذذ ينهش لحوم الآدميين ولا تشعر بالانتماء للإنسانية أو الأخلاق أو القيم، وفاتها أن النظام الفاسد لا يدوم، كما جاء في القول المشهور: الحكم يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
جاء اعتقال الأستاذ إبراهيم شريف هذا الأسبوع بقرار من رأس الحكم الذي يمارس الاستبداد بأبشع صوره ويرفض احترام حقوق الشعب ويصر على إبقائه خلف ستار حديدي يخنق أنفاسه. وهذا هو دأب الحاكم القبلي الديكتاتوري الذي يحكم وفق أهوائه ولا يمتلك تفويضا شعبيا. ولقد ابتليت البلاد منذ عقود بحكم العصابة الخليفية القمعية التي يزداد إجرامها بدعم أجنبي، خصوصا من الاحتلال الإسرائيلي. لم يتحدث الاستاذ شريف عن أمر خارج عن المألوف او عن الخطاب الشعبي الذي يطالب بالحرّيّة والحقوق ويرفض إملاءات الطغمة الحاكمة التي ما برحت ترتكب الجرائم يوميا بحق المواطنين ولا ترعى حقوقهم ولا تشعر بالانتماء لهم. وفاتها أن المناضلين مثل الاستاذ إبراهيم شريف قد اعتادوا التردد على السجون والمعتقلات، وزادهم ذلك التردد حبّا للحرّيّة وإصرارا على مقارعة الطغيان والاستبداد. فالرجل الستيني بنى حياته على النضال وأصبح يستشعر لذّته ويعشق رواده، ولا يتردد عن ممارسته إذا اقتضى الأمر. فما عسى الطاغية أن يفعل؟ هل سيستمر في إزهاق أرواح معارضيه؟ فهل حصل من فعل ذلك إلا الخزي والعار والسقوط؟ وهل دام الحكم للطغاة وأعداء الحرّيّة؟ لقد ذهبوا ولاحقتهم لعنة التاريخ إلى الأبد.
وإذا كان اعتقال إبراهيم شريف بسبب تعبيره عن رأيه بطريقة سلمية، فما الذي ارتكبه آلاف المواطنين الذين اعتقلهم الخليفيون طوال العقود السابقة، ونكّل بهم وأصدر أحكاما بسجنهم بلغت الحكم المؤبّد؟ ما الذي ارتكبه الاستاذ حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والشيخ علي سلمان والدكتور عبد الجليل السنكيس والاستاذ عبد الهادي الخواجة وسواهم من الأحرار الذين رفضوا الاستعباد وعبّروا عن معاناة الشعب. لقد استشهد المئات من أجل استرداد الحرّيّة وعُذبت أجيال من الأحرار، واكتظت المعتقلات بمن أصرّ على التخلّي عن حقوقه المشروعة وعلى رأسها حرّيّة التعبير. ولكن العصابة الخليفية تضيق ذرعا بالبحرانيين الأحرار خصوصا الذين يتمسكون بحقوقهم العامة ويرفضون الانصياع للاستبداد ويصرّون على مقاومة المطبّعين مع العدو. هؤلاء البحرانيون غرفوا مياه الحرّيّة من أجيال سبقتهم خصوصا الإمام الحسين بن علي عليه السلام الذي رفض السكوت أمام الحكم الأموي التوارثي الاستبدادي. هذا هو تراث شعبنا الأبيّ الذي يرفض طاعة اللئام ويشعر بالانتماء إلى مصارع الكرام.
الأمر المؤكد أن الخليفيين إذا قرّروا أن يمعنوا في اضطهاد الأستاذ إبراهيم شريف، فسوف يوجهون إليه اتهامات كبيرة جدّا، كما فعلوا في السابق بحق أبطال البلاد الذين هزموا الخليفيين بتصريحاتهم ومواقفهم. في السابق كان الثنائي المكوّن من إيان هندرسون وعادل فليفل بارعا في تحويل تصريح من مواطن حرّ إلى عدد من الجرائم، فتوجه الاتهامات للشخص بـ: تهديد أمن الدولة، التحريض على كراهية النظام، تهديد السلم الاجتماعي، وربما اتهم كذلك بـ “الانتماء إلى جماعة محظورة تهدف لقلب نظام الحكم بالقوّة”، والتخابر مع دولة أجنبية للقيام بأعمال عنف وشغب. هذه الاتهامات وجهها الطغاة الخليفون إلى آلاف البحرانيين طوال أكثر من نصف قرن، واستخدمت لإدانة المتهم وإصدار أحكام قاسية ضده بلغت أحيانا الإعدام أو السجن المؤبّد. وهذا أحد المظاهر الفاقعة للحقد الخليفي ضد السكان الأصليين (شيعة وسنة). ولذلك فليس مستبعدا أن توجّه اتهامات خطيرة للأستاذ إبراهيم فقط لأنه غرّد بضع مرّات مدافعا عن المظلومين وداعما أهل فلسطين ومندّدا بالاحتلال والمتحالفين معه. إنه فصل آخر من قصة طويلة من العداء الخليفي للبحرين وأهلها، خصوصا المناضلين منهم والرافضين إملاءات الطغمة الحاكمة وحلفائها في تل أبيب.
ما الموقف الحكيم الذي يستطيع الأحرار إعلانه في هذه الحالة؟ الأمر الأوّل أن الوفاء للمناضلين يقتضي الوقوف الشعبي مع الأستاذ إبراهيم شريف بدون تردد، عرفانا لمواقفه النبيلة إزاء قضايا الشعب. ثانيها: التنديد بالنوايا السوداء المختزنة لدى الخليفيين، خصوصا الحاكم الحالي الذي يعتبر الأسوأ في تاريخ الاحتلال الخليفي للبحرين. ثالثها: نشر ظلامة الأستاذ إبراهيم شريف في العالم، ومخاطبة المنظمات السياسية والحقوقية لكشف سياسة الاضطهاد التي يمارسها الخليفيون بحق المناضلين. رابعها: محاكاة الأستاذ إبراهيم شريف في مواقفه وتصريحاته، والإصرار على رفض الحكم الخليفي الاستبدادي الظالم الذي لم يترك موبقة إلا ارتكبها بحق الوطن والشعب. خامسها: إصدار البيانات والتصريحات بدون خوف أو تردّد لقطع الطريق على العصابة الخليفية الهادفة لتضييق مساحة الحرّيّات وتجريم انتقاد نمط الحكم الاستبدادي. سادسها: إشعار عائلة الاستاذ ابراهيم شريف وأصدقائه بوجود موقف وطني صادق وشامل لا يتهرّب من المسؤولية ولا يخشى بطش الخليفيين وداعميهم، ولا يتنازل عن المطالب المشروعة للشعب البحراني. سابعها: النظر إلى موقف الاستاذ إبراهيم أنه تأكيد لليوصلة الشعبية التي كانت وما تزال متّجهة نحو التغيير الجذري في البلاد والتخلًص من الحقبة الخليفية السوداء.
إن اعتقال الأستاذ إبراهيم شريف بادرة سيئة أخرى تضاف لملف الخليفيين في الاضطهاد والقمع ومصادرة الحرّيّات العامة وتقليص مساحات الفضاء العام التي يتاح للمواطنين التحرّك ضمنها. كما أنها رسالة واضحة للمناضلين والأحرار للتنصل مما يمثله موقف شريف والانسحاب من الساحة السياسية لترك المجال للخليفيين وعملائهم لكي يسرحوا ويمرحوا ويعربدوا ويرتكبوا الموبقات. فلقد عبّر عن مشاعر الأغلبية الساحقة من الشعب التي تطالب بإنهاء الحقبة الخليفية السوداء والتوجه نحو تحوّل ديمقراطي حقيقي وإقامة حكم الدستور والعودة إلى الشعب بدلا من الانتماء والتحالف مع أعداء الأمة. إنه موقف مشرّف من هذا الرمز الوطني الشريف، يستحق التقدير والاحترام والإكبار والاحتذاء. والأمل أن يؤدّي هذا الاعتقال إلى تجديد العزيمة الشعبية للتصدّي للعدو الخليفي وجرائمه بالمواقف السلمية المسؤولة ورفع الصوت عاليا ضد استبداده واضطهاده، والتلاحم بين مكوّناته لإنهاء الحقبة الخليفية السوداء بأقل الخسائر وفي أسرع وقت. وبدون ذلك سوف يستمر الطاغية وعصابته في سجن الأحرار والأبرياء بدون حساب، وسيبقى جرح الشعب الدامي منذ عقود نازفا. وليتمثل الأحرار بقول الشاعر لقيط بن يعمر الإيادي: قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
14 نوفمبر 2025