بيانات حركة أحرار البحرين

شهيد أخر يرتقي بعد فشل المعنيّين في إنقاذه من الغرق

اهتزّت البحرين بمصابها بأحد أبنائها الذي قُتل مظلوما في عرض البحر، ثم عمدت السلطات الرسمية لتشويه الحقائق وبث الأقاويل الفارغة. كان الشاب عبد الله حسن في مقتبل العمر، ينظر لمستقبله بآمال عريضة، خصوصا بعد أن رزقه الله بطفلة مباركة فتحت له آفاق الخير برغم حالته المادّيّة الضعيفة. وفي يوم الثلاثاء 28 أكتوبر كان موعده مع الشهادة وهو يسعى لتحصيل رزقه في البحر المتلاطم الأمواج. فبينما كان مع ثلاثة من زملائه في قاربهم الصغير (هم صادق عبدالرضا والسيد حسن يوسف وعبدالله البحراني) إذا بدورية تابعة لخفر السواحل تتجه نحوهم وتصدم قاربهم، فسقط الاربعة في البحر. وكان نصيب عبد الله من الاصطدام هو الأكبر، الأمر الذي جعله غير قادر على إنقاذ نفسه بعد السقوط في البحر، بينما استطاع زملاؤه صعود القارب مرة أخرى. في هذه الاثناء كان طرّاد خفر السواحل يحاول تكرار صدم القارب، فحاول الشباب الابتعاد عنه. ثم أشاروا لمن في الدوريّة أن أحدهم مفقود، ولكنهم لم يعيروهم اهتماما، بل تركوهم مع قاربهم المعطوب، وتركوا لهم مهمّة البحث عن المفقود، وهم في حالة نفسية وجسدية سيئة نتيجة الحادثة. لقد فشلت قوات خفر السواحل في أداء مهمّتها ولذلك تعتبر مسؤولة بشكل مباشر عن موت مواطن بحرانيّ تعرّض لحادث وكان بالإمكان إنقاذه لو كان المسؤولون يتحلّون بالمسؤولية والإنسانية وحسن الأداء.

إن ما حدث في عرض البحر لشاب بحراني مستضعف كان يجاهد لكسب لقمة عيشه ليس جديدا، ولن يكون الأخير في ظل نظام ما برح يستضعف السكان الأصليين ويوسّع الفجوة السياسية والثقافية معهم، ويسعى لتضييق مسالك العيش أمامهم، ويحرمهم من حقهم في الاستفادة من ثروات بلدهم. وهناك نقاط عديدة يجدر ذكرها هنا:
أولها أن البحرانيين ليسوا طارئين على البحر الذي يحيط ببلدهم من كل جهاتها، فمنذ قرون وهم يتفاعلون مع البحر، ويعتبره قطاع كبير منهم مصدر رزقه، فقد استفادوا من ثروته السمكية عبر العصور، واستخرجوا اللؤلؤ من قاعه، كما حفروا فيه آبار النفط، واستخدموه للعبور للجزيرة العربية. ومن خلال ذلك توارثوا خبرات كثيرة سواء في ركوب البحر أم صناعة قوارب اللؤلؤ والصيد والنقل، أم قضاء أوقات ممتعة في مياهه أو على سواحله.

ثانيها: أن الذين يركبون البحر من أجل الصيد يمتلكون تجارب واسعة، ويتقنون السباحة ويعرفون حركة الطقس وأثرها على مياه البحر، واستفادوا من ذلك كثيرا، فقد تحاشوا ركوب البحر خلال العواصف، وعرفوا مناطقه وما يستفيدونه منها سواء للحصول على اللؤلؤ في المغاصات العميقة أم صيد الأسماك أم الاستمتاع من أجوائه. وقد توارثوا فنون ركوب البحر عبر الأجيال، فارتبطت ثقافتهم بالبحر وكتبوا فيه الشعر وألّفوا فيه القصص وسمحوا للخيال بالإبحار في مياهه.

ثالثها: أن قدرهم أن يتعايشوا مع البحر المحيط بجزيرتهم ويوطّدوا علاقاتهم الحميمة معه، وسعوا للحفاظ عليه كجانب من البيئة التي تستدعي الحماية. رابعها: أن البحرانيين يرفضون سياسات تخريب البحر والعبث به، خصوصا عمليات الدفن التي أثرت على البيئة وساهمت في تدميرها ، فقد نجم عنها تسرّب مياه البحر إلى الأحواض الجوفية التي تحتوي مياه الشر، ورأوا في سياسات الدفن التي تنتهجها الحكومة عاملا سلبيا لا يساهم في حماية البيئة خصوصا بعد تدمير مساحات واسعة من الشعب المرجانية.

رابعها: أن الحكومة الخليفية لم تتبن سياسات واضحة لحماية البيئة البحرية، ولم تطرح مناهج تعليمية لأساليب التعامل مع البحر، خصوصا بعد أن جاءت بالآلات العملاقة للقيام بما تسميه “أستصلاح الأراضي البحرية”. وقد استخدمت أسلوب سحب الرمل من مسافات طويلة داخل البحر نحو الساحل لما تسميه “استصلاح الأراضي البحرية” بدلا من استخدام الأراضي الطبيعية في النصف الجنوبي من البلاد الذي تستحوذ عليه العائلة الخليفية. إنها سياسة تدميرية للبيئة ساهمت في عدد من الأمور منها تضاؤل الأسماك التي تعيش في الشعب المرجانية، وتسرب المياه المالحة للاحواض المائية العذبة تحت الأرض، حتى أصبحت البلاد خالية تماما من مصادر الماء العذب. واستبدل ذلك بمشاريع تحلية المياه وما يصاحبها من تأثير سلبي على البيئة أيضا.

خامسا: أن التجارب السابقة المرتبطة بحالات الغرق لم تحظ بقراءات أو دراسات علمية واسعة لمنع تكرر حدوثها وحماية أرواح البشر الذين يركبون أمواج البحر على مدار السنة. ونادرا ما يتم التعاطي مع هذه الحوادث بأساليب علمية ينجم عنها توصيات او توجيهات للمواطنين لمنع تكرر الحوادث. فالمواطن البحراني، في المشروع الخليفي، ليس سوى رقم لدى الخليفيين، ليس له وجود فاعل أو قيمة إنسانية راقية.

سادسا: أن الحكومة، بسبب هذه السياسات، لم تهييّ استعدادات كافية للتعامل مع الحالات الطارئة، ولا تمتلك وسائل مناسبة للتعامل مع الحالات الطارئة. صحيح أن هناك ما يسمى “قوات خفر السواحل” ولكنها مسيّسة في أغلب الأحيان، تستقصي قوارب الصيد وتحقق مع الصيّادين الفقراء، وتحقّق مع من تحدّثه نفسه للتوجه للجزر الصغيرة الأخرى التابعة للبحرين، مثل البينة الكبرى والصغرى اللتين ما تزال السيادة عليهما غير واضحة بعد أن رضخت الحكومة للضغوط السعودية الهادف للسيطرة عليهما وحرمان البحرين منهما.

في ضوء هذه الحقائق فإن استشهاد الشاب عبد الله حسن يوسف مناسبة لإعادة النظر في مسائل عديدة من بينها ما يلي: أولا: إجراء تحقيق شامل في الحادثة، ظروفها والتعاطي معها وآثارها السلبية على أنماط التعامل السلطوي مع قضايا ال سلامة البحرية. ثانيا: إعادة تقييم وسائل الإنقاذ والإغاثة في الحالات الطارئة، ومدى توفر الوسائل المطلوبة لمنع تكرر الحوادث من هذا النوع. ثالثا: إجراء تدريبات دورية لقوات خفر السواحل لضمان قدرتها على الاستجابة الفاعلة لنداءات الاستغاثة من المواطنين الذين يتعرّضون لظروف قاهرة. رابعا: قوات تدخل سريع للحالات التي تتطلب إنقاذ الأفراد من الغرق، وعدم إشغالها بمطاردة الصّيّادين الذين يركبون البحر للاسترزاق.

إن من الخطأ الكبير النظر إلى استشهاد الشاب عبد الله حسن يوسف كحالة فرديّة مؤسفة، ولا بدّ من التعامل معها كحالة أظهرت فشلا لدى الأجهزة السلطوية التي يفترض أن تكون مستعدة للتدخل السريع لإنقاذ حياة الأفراد في عرض البحر. وربما الأهم من ذلك إجراء تحقيق شامل في الحادثة بحيادية ومهنيّة في ضوء ما يقال عن تعرّض الشاب لاعتداء من قبل قوات خفر السواحل سواء بصدم القارب الصغير الذي كان على ظهره من قبل طرّاد خفر السواحل، أم بالضرب المباشر بعد توقيف القارب والتعامل مع من كان على ظهره. إذ لا يجوز التساهل مع إزهاق الأرواح البريئة من قبل عناصر فاسدة تعمل تحت غطاء خفر السواحل بدون ان تكون مؤهلة أخلاقيا ومهنيا للتعامل مع الحوادث من هذا النوع. الأمر المؤكد أن روحا شابّة قد أزهقت، وأن أهل الشهيد أصيبوا بصدمة كبيرة بالحادثة، خصوصا طفلته التي افتقدت باستشهاده حنان الأبوّة ورعايتها، وبقيّة أفراد عائلته التي فجعت بالرحيل المبكّر لشاب في مقتبل العمر طالما أدخل السرور على قلبها، وغمرها بالآمال والتطلعات. وسوف يبقى السؤال حول ما إذا كان بالإمكان منع ما حدث أولا، وثانيا ما إذا كان التعاطي السلطوي معها مناسبا، والخطوات التي سوف تتخذ لمنع تكررها ثالثا.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
7 نوفمبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى