بيانات حركة أحرار البحرين

ضمان الحرّيّة يتطلّب تحرير العقل من الاستعباد والاستعمار

لله درّهم، أحرار وهم في القيود، أبطال وهم في الزنزانات، عمالقة وهم بأيدي الجلّادين. أولئك هم المعتقلون السياسيون في البحرين، الذين مضى على الكثير منهم قرابة الخمسة عشر عاما وراء القضبان. إن الأسود لا يمكن حبسها، وإن حبست لا يمكن إخماد زئيرها، فإذا زأرت طارت قلوب الخفافيش هلعا. هذا هو شان رموز الوطن والشعب المغيّبون في زنزانات عدو لا يرحم، وليس في قلبه رحمة أو رأفة. لقد انسلخ من إنسانيته فأصبح أداة لنزواته وغروره، معتقدأ أن ذلك الوضع سوف يدوم له، وأن الله لن ينفّذ وعده القاضي بالانتقام من المجرمين. هؤلاء الأبطال تكيّفوا مع حياة السجن، وما فيه من شظف وضيق وحيف. لكنهم استأنسوا بعلاقتهم مع الله، فكل منهم مارس العبادة على أحسن وجهها وارتبط بالقرآن، وقام الليل، لأنهم بلغوا من الإيمان ذروته، فاقتربوا في روحانيتهم من الملائكة، فاستصغروا الطاغوت، وتمرّدوا على حكمه وكسروا إرادته، فلم يكن لسياطه التي جلدت ظهورهم أثر نفسي، وبقيت آثارها في شكل جلود متقرّحة، وآلام مبرحة تلامس الجسد ولا تصل إلى الروح.

لا شكّ أن كلّا منهم يرغب في الخروج من زنزانته والعودة إلى أهله ومجتمعه، يريد كبارهم أن يقضوا وقتا مع أولادهم وأحفادهم، ويستمتعوا بالعلاقة الأبوية مع الأبناء، ولكنّ اتصالهم بالله عوّضهم. ولكنهم، برغم ذلك، يرغبون في لقاء أهلهم، ولكن بشروطهم، وهيهات أن يلتمسوا من الطاغية أية مكرمة أو منحة، فأرواحهم التي أكرمها الله بأداء الواجب لا تستطيع منح الطاغية ما يريده من تبجيل وتعظيم يتحقق بتقديم التماس أو استرحام. لقد تحطّمت معنويات هذا الطاغية عندما رأى أن الآلاف من معتقلي الرأي يدعون ليلا ونهارا أن ينتقم الله منه لما ارتكبه من موبقات على رأسها هدم المساجد وهتك الحرمات وإزهاق الأرواح البريئة. لذلك أصبح الصبر لباسهم لا ينزعونه لحظة، بل يتقرّبون به ألى الله المقتدر الجبّار، منه يلتمسون قبول الأعمال وتسهيل الصعوبات وتحقيق النصر لهذا الشعب المظلوم. يدعونه ليفرّج عنهم ويعيدهم إلى أهلهم لتقرّ عيونهم وتغمر الفرحة قلوبهم. وقد سعى المعتقلون السياسيون لاسترداد حقوقهم ومنها حريتهم وخروجهم من السجن، بأساليبهم، فاحتجوا وأضربوا وتمرّدوا على السجّانين. فكانت ردود فعل الطاغية تكثيف القمع والاضطهاد والانتقام بدون رحمة.

وقد وجد بعض المعتقلين السياسيين في الإضراب عن الطعام وسيلة لإيصال صوتهم للعالم الخارجي، وإرهاق نظام الاستبداد وكسر معنوياته ومحاصرته أخلاقيا. وقد أدرك السجّانون فعالية الإضراب عن الطعام ودوره في كشف حقيقة العصابة الخليفية المجرمة، فسعوا لمنع استمرار الإضراب عن الطعام في حالات كثيرة، وقدّموا تنازلات للسجناء في مقابل ذلك. ولا بدّ من الاعتراف بأن طرح الإضراب ليس أمرا سهلا، وكثيرا ما استعصى تحقيق توافق جماعي للمضيّ فيه. ولذلك فكثيرا ما اقتصر الإضراب عن الطعام على الأفراد ولم يشمل المجموع.

في هذا الأسبوع اعلن الأستاذ المناضل والحقوقي الكبير، الأستاذ عبد الهادي الخواجة دخوله في إضراب عن الطعام، وهي خطوة كبيرة كانت لها تبعاتها الصحية على جسده وقواه في المرات السابقة. ففي العام 2012 أضرب عن الطعام فترة استمرت 110 أيام فدفع جسده ثمنا كبيرا من صحته وسلامته. ووفقا للطبيب الأيرلندي المشهور، الدكتور داميان ماكورماك، فأن هذا الإضرار ستكون له عواقب وخيمة على حياة الخواجة. ويقول أن عبد الهادي يعاني من نقص في الوزن يبلغ عشرة كيلوغرامات، ويعاني من مشكلة في القلب قد تزداد سوءا إذا استمر في إضرابه: برغم قدرة عبد الهادي على تحمل فقد الغذاء الحاد والعطش في الماضي، ففي تقديري، فأنه يواجه خطر الموت في حال دخوله في الإضراب حتى لو كان قصيرا”. لقد عرف الأستاذ عبد الهادي بشجاعته وجرأته وتضحياته الجمّة، وأصبح في زنزانة سجنه كالأسد المحبوس في عرينه، يخشاه الآخرون ويبعث زئيره مشاعر الخوف في الآخرين. وهكذا هم كافة رموز الوطن والشعب. صحيح أنهم محبوسون وراء القضبان، ولكنّ روحهم حاضرة بين الجماهير، تخاطبهم باستمرار وتبعث فيهم حبّ العمل وروح الأمل، فإنّ غدا لناظره قريب.

الثائرون على الظلم لا يتراجعون ولا يستسلمون، بل يواصلون درب النضال بدون ملل أو كلل. ولا يهمّهم إن تأخر النصر، فما أطول ليل الطغاة، ولكن ما أقصر أعمار أنظمتهم القمعية. ولولا حتمية اندحار الظالمين وانتصار المظلومين، لما كان هناك نضال او ثبات، ولأصبحت الحياة مقيتة، ولما رغب أحد في البقاء. ولذلك حثّ القرآن الكريم على التصدّي للظلم والاستبداد وعدم الاستسلام لهما أو القبول بهما. فما قيمة الحياة إذا عاش الإنسان مكبّلا؟ ما قيمته إذا فقد حرّيّته؟ أليست الحرّيّة أهمّ قيمة لدى الإنسان؟ لذلك مضت الأجيال في كافة بلدان العالم تناضل لضمان حرّيّتها، وثارت ضد الطغاة والمستبدّين، ماضيا وحاضرا. وأصبح واضحا أن الصراع بين الحق والباطل يتمثل بالنضال المتواصل بين الحرّيّة والاستبداد، بين العدل والظلم، بين الإنسانية وأعدائها، وبين الأحرار والعبيد. فمن يصرّ على ظلم الآخرين فإنه مستعبد لنفسه الدنيئة ومشاعره الهابطة. أمّا الأحرار فهم يكافحون ليس من أجل حرّيّتهم فحسب، بل يضعون حرّيّة الأخرين نصب أعينهم، ويبذلون الجهد لرفع الظلامة عنهم. هذه هي الإنسانية بصورتها النقيّة المحبّة للخير والحرّيّة والمدافعة عن المظلوم والمتصدّية للظالم.

إن شعب البحرين لا يختلف عن الشعوب الحرّة التي قدّمت التضحيات من أجل الحرّيّة والاستقلال والكرامة. ولقد تعلّم شعبها على مدى أكثر من نصف قرن تجارب تلك الشعوب، واطّلع على نضالها المتواصل وتضحياتها الجمّة. فأصبح أكثر وعيا من شعوب أخرى كثيرة استكانت للظلم والاستبداد وسارت على خطى حكامها الظالمين، فرزحت في ظلمات الاستعباد. فقد يملك الشخص الثروة الطائلة وأحدث أشكال الرفاهية، ولكنه يبقى هيكلا بدون محتوى إذا لم يحقّق حرّيّته من الظلم والاستبداد، وكذلك من المادّيّات التي تعوّق مساره وتضغط على نوعية الحياة المتوفرة له. وللإيمان هنا دوره في ضبط مسار الإنسان وضمان بقائه على خط الإيمان الذي يتطلّب أن يكون الإنسان حرًّا، ويمنعه من الاستكانة للاستبداد والظلم. ولذلك جاءت الأوامر الإلهيّة بضرورة انسلاخ الإنسان من العبودية لأي طرف، وأمرته بالطاعة المطلقة والعبودية الكاملة لله وحده. فإذا تحقّق ذلك أصبح الإنسان حرّا. وبدون الإيمان المطلق يبقى هذا المخلوق أسيرا لغيره، فتتضاءل سمة الحرّيّة في شخصه وتتلاشى قدرته على ممارسة عقله بشكل كامل. فالعقل الحرّ هو الذي يرفض الظلم وكل ما لا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية. ومن أخطر الظواهر ما أصبح مادّة للحديث هذه الأيام بين المثقفين الملتزمين، تدور حول ضرورة “تحرير العقل” من الاستعمار، وهذا هدف يحتاج حهودا واسعة واستيعابا حقيقيا. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفّق شعبنا للتمسك بمطلب الحرّيّة السياسية وأن يلتزم بضمان حرّيّته العقلية، وهي السلاح الأقوى لمواجهة الاستبداد والظلم.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
31 أكتوبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى