التضحيات لم تتوقف، والأهداف لم تتغيّر، والنصر آتٍ
ما بين السجن والإعدام يعيش المواطنون في الجزيرة العربية والبحرين في قلق واضطراب، ورغبة في التغيير. لكن هذا التغيير ممنوع في القاموس الغربي الذي ربط مصالحه بالأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة. وما أكثر ما يردده الإعلام الغربي عن ضرورة استمرار الوضع لضمان الاستقرار الذي يضمن تلك المصالح. ومن المؤكد أن أبناء المنطقة أكثر حرصا من غيرهم على أمن منطقتهم واستقرارها، ولكنهم يرون أن ذلك لا يتحقق بالاستبداد والديكتاتورية. وإن بدا وجود شيء من ذلك فإنه حالة مؤقّته لا تصمد أمام تحدّيات التطور وضرورة التغيير الإيجابي. ففي ظل الاستبداد لا تستطيع الشعوب ممارسة حقها في الرقابة والمحاسبة، لأن الحاكم المتجبّر يرى نفسه فوق البشر ولا يسمح لصوت ناقد أو رأي مختلف. ولضمان بقائه يتخلى عن السيادة للقوى الأجنبية في مقابل ضمان بقائه في الحكم. هذه المعادلة ليست جديدة، بل هي من أبرز سمات الاستبداد والديكتاتورية. ولذلك لم يتوقف نضال الشعوب عبر التاريخ من أجل استرداد حقوقها المسلوبة وعلى رأسها الرقابة والمحاسبة. فحين يشعر الحاكم أنه بمأمن من انتقادات المواطنين، فإنه يمارس ما يشاء ولو كانت تلك الممارسة ضد رغباتهم. فمثلا لو كان هناك شيء من الحرّيّة والشراكة السياسية، فهل سيسمح شعب البحرين للعصابة الخليفية بالتخلّي عن قضية فلسطين والتحالف مع الاحتلال؟ هل سيرضى الشعب ان تبقى أرضه مستباحة من قبل القوات الاجنبية؟ هل كان سيكتفي بمشاهدة ما يحدث من اضطهاد وإبادة لإخوته في الدين والعروبة والإنسانية بدون أن يستطيع دعمهم ووقف معاناتهم؟
مع استمرار الممارسة الخليفية بسجن الأطفال والشباب وآخرهم علي حبيب يواصل السعوديون مسلسل الإعدامات بدون توقف، وكان آخر الضحايا السعودي من المنطقة الشرقية محمّد آل عمّار والمصريان محمد سعد وعمر شريف. بهذه الأساليب تأمل أنظمة الاستبداد الاستمرار في الحكم، بدلا من سعيها لطمأنة المواطنين وتحفيز الأمل لديهم بأن مستقبلهم سيكون آمنا في ظل هذا الحكم.
إن عقلية الاستبداد خطيرة في منطلقاتها وأساليبها وآثارها. فهي لا تؤمن بقداسة النفس الإنسانية ولا بحقوق البشر ولا باستخدام الرأفة والمنطق لاستمالة الآخرين من أجل خلق مجتمع مستقر وقادر على العطاء. وفي ظل تدفق أموال النفط إلى خزانات الدول الخليجية راجت لدى الحكم فكرة شرّيرة مفادها أن تلك الأموال تستطيع شراء البشر ومواقفهم، كما تشتري مواقف الدول الأخرى الطامعة في خيرات المنطقة. لدى هذا النمط من الحكم قناعة بأن القوّة أساس الملك، وليس العدل. وهذا منسجم مع منطق ميكافيللي الذي نصح الأمير باستخدام القوّة كأساس لاستقرار ملكه. هذه الفلسفة هي التي توجّه حكامنا اليوم، ولذلك لا يكاد يمر أسبوع بدون أن يكون هناك شهداء يعلّقون على المشانق أو تمزّق أجسادهم برصاصات الإعدام، كما حدث لعدد من أبناء البحرين قبل بضع سنين. فما أخطر عقلية الحكم المؤسس على الفلسفة الميكافيللية التي تربط بقاء الحاكم بعنفه وشراسته وليس بعدله وديمقراطيته.
ولأن شعب البحرين يؤمن بقيم الحبّ والتعاون والأخوّة الدينية والعربية والإنسانية، فإنه لا يستطيع التغاضي عما يحدث لإخوته في ظل الاحتلال، ويرفض أن يطبّع العلاقات معه، ويتحدّى العصابة الحاكمة بتظاهراته ومسيراته التي لا تتوقف. إنها الإنسانية التي تتجلّى في نفوس أحرار البلاد، وترفض التعتيم على الحقائق بأساليب التضليل والتشويش والإلهاء بصغائر الأمور. فالإنسانية تتجاوز حدود التباين أيّا كان شكلها. وحتى الاختلاف الديني لا يبرّر التقاعس عن نصرة الآخرين المختلفين دينيّا. بل أن هذا الدين يدفع أتباعه لحماية الإنسان والحيوان والبيئة، والمشاركة الفاعلة في إعمار الأرض. فالإسلام دين الله ورسالته للإنسانية جمعاء. والله سبحانه وتعالى يساوي بين المخلوقين ولا يميز بينهم في الحقوق الأساسية خصوصا حق الحياة والطعام والشراب والمأوى. إنها العدالة الإلهية التي يفترض بالبشر الاحتذاء بها وممارستها في الحياة العامّة. إنها مصدر القيم التي يُفترض أن تكون أساسا للتقنين والتشريع خصوصا في عالم اليوم الذي يفتقد للرأفة والرحمة المنطلقين من الإيمان بالله أولا والانتماء للإنسانية ثانيا. في ظل هذا الفراغ الأخلاقي والمعنوي يتربّع على كراسي الحكم في المنطقة العربية أشباه رجال توارثوا مناصبهم من آبائهم الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، وأصبحوا يتحرّكون على قاعدة أن الحكم حقهم الطبيعي وأن الله خلقهم ليحكموا الآخرين ويتحكّموا في مصائرهم. هذه الفلسفة لا تستطيع أن تؤسس لحكم عصري قائم على الوئام والتفاهم والتوافق خصوصا في قضايا الحكم وفلسفة الحياة والهدف من وجود الإنسان على وجه هذا الكوكب.
في الحقبة الأخيرة تكرّست ظاهرة إزهاق أرواح البشر خصوصا من قبل حكام السعودية. وتعدّدت حالات الإعدام بدون توقف خصوصا في ظل حكم محمد بن سلمان، الذي روّجه الغربيون قبل أن يرث الحكم من أبيه بأنه سيكون “إصلاحيا” وأنه سيقود السعودي إلى برّ الأمان وينشر فيها قيم العدالة والشراكة والشفافية. ولكنه سرعان ما فتك بمواطنيه. وفي مثل هذا الشهر قبل سبعة أعوام ارتكب واحدة من أبشع الجرائم الموثّقة، عندما أمر سفاحيه بتمزيق جسد الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي داخل مبنى القنصلية في أسطنبول. وبرغم الضجة الدولية آنذاك، إلا أن غياب المبدئية والإنسانية عن السياسات الغربية وفر له حصانة وأعاده إلى دائرة السياسة والحكم، ولم يصدر بحقّه أيُُّ حكم أو إجراء رادع. وهكذا أكّد “العالم الحر” قدرته على التعايش مع القتلة والسفّاحين والطغاة والديكتاتوريين بدون أن يكون هناك رادع من مبدأ أو وخز من ضمير. كما أعلن الغربيون للحكّام المستبدين أنهم سوف يستمرون في سياسة غض الطرف عما يجري في هذه البلدان، طالما رضخ الحكام لمطالبهم وسعوا للتطبيع مع “إسرائيل” والتزموا بتصدير النفط بالكميات التي يحتاجها الغربيون والأسعار التي يرتضونها. وشعر حكام السعودية، خصوصا محمد بن سلمان، أن لديه حصانة من القانون الدولي وأن أحدا لن يستطيع تهميشه طالما بقي مسيطرا على أموال بلاده وثرواتها. هذه المقايضة (التخلّي عن الإنسانية في مقابل الحصول على النفط والاستثمارات السعودية)، أوصلت الأمور في الوقت الحاضر إلى ما هي عليه الآن، وحالت دون قدرة القضاء الدولي على ممارسة دوره في مقاضاة المجرمين والمعذّبين وسارقي أموال الشعوب.
لذلك وجد حكام البحرين أنفسهم في مأمن من العقوبة، وأصرّوا على إبقاء رموز الوطن والشعب وراء القضبان، ونكّلوا بهم أيما تنكيل. وها هم يقضون عامهم الخامس عشر وراء القضبان، في أوضاع معيشية حاطّة بالكرامة الإنسانية، وأوضاع صحية رديئة. ومرة أخرى، غاب نجم “ولي العهد الإصلاحي” الذي سار على نهج أسلافه في القمع والاضطهاد وحرمان المواطنين من حقوقهم المشروعة خصوصا في جوانب الشراكة السياسية والحكم. وقد أدرك البحرانيون هذه الحقيقة منذ عقود، وأن الغربيين لن ينقذوا الشعوب من الاستبداد والديكتاتورية، مهما كان الأمر. إنها دروس لم تتحقق إلا بعد تقديم التضحيات الكبرى والشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل الحق والعدل والحرّيّة. ولم تتوقف معاناة الأحرار، ويكفي للتدليل عليها ما تعانيه الأمعاء الخاوية في سجون جو والقرين والحوض الجاف من جوع وإنهاك وأمراض. وبهذا الإدراك تعمّقت قناعة الأجيال المتعاقبة بعدم جدوى التعويل على المقولات الهادفة للتخدير والإلهاء، وأن عليها مواصلة درب النضال حتى يتحقق التغيير الحقيقي الذي يجعل الشعب مصدر الشرعية والحكم، ويزجّ بالطغاة في مزبلة التاريخ.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
24 أكتوبر 2025