بيانات حركة أحرار البحرين

الوجه الآخر للشرق الأوسط: نبوغ العلماء وجائزة نوبل

في غمرة الحوادث التي تعصف بالمنطقة والعالم، ربما لم يخطر على بال أحد أن يُعلن عن فوز عالم أردني من أصل فلسطيني بجائزة نوبل للكيمياء. فقد أعتادت فلسطين وأهلها أن يُغيّبوا عن نشرات الأخبار السّارّة ويحوزوا نصيب الأسد من أخبار القتل والحرب والنزوح عن الأرض، وربما الإرهاب. فكل ذلك ينسجم مع الأجندة الصهيونية التي تسعى لمحو فلسطين من خريطة العالم وإبعاد أهلها عن الانتماء للإنسانية وما يتصل بها من حبّ وعلم وعطاء. لذلك كانت مفاجأة كبرى ان يُعلن المشرفون على جائزة نوبل عن فوز عمرو ياغي بالجائزة، فتلك شهادة ليس على نبوغه في مجال تخصصه فحسب، بل على أن فلسطين قادرة على إنجاب ذوي العقول ونوابغ العلم، وأن سياسات الاحتلال والقتل والتهجير ليست كافية للقضاء على عبقرية هذا الشعب الذي تمرّد على الموت والفناء أكثر من ثلاثة أرباع القرن، وما يزال يستعصي على محاولات أعداء الإنسانية لإلغائه من الوجود والتاريخ الإنساني.

لقد ارتبطت فلسطين بالوجدان العالمي منذ احتلالها، فدعمها الأحرار والمظلومون في بقاع العالم، ولم يحظ المحتلون بدعم معنوي أو أخلاقي سوى من القوى التي تجاوزت مقولات الإنسانية ومنظومات الأخلاق والقيم، وبقيت منارة في عالم النضال اهتدى بها المناضلون وطلّاب الحرّيّة، بينما بقيت “إسرائيل” ممثلة للقوى الامبريالية والاستعمارية، وما تزال كذلك. وفشل عالم القرن العشرين في حل المشكلة الفلسطينية، ولم يكن القرن الحالي أكثر إنجازا من ه في هذا المجال. لذلك استمرت المشكلة قرابة ثمانية عقود متحدّية الضمير الإنساني، خصوصا في حال توسع نار الصراع. وأصبح واضحا أن الاحتلال لا يستطيع البقاء إلا باختلاق الأزمات والصراعات والحروب، لإبقاء عناصره في حالة توثب دائمة تحسّبا لحدوث تطورات تهدد الكيان وقاطنيه. وبقي الفلسطينيون طوال الأزمة مشرّدين في الأصقاع، ولكنهم ثابتون على عهدهم لبلدهم بتحريره وتحقيق أمنه. ووقف العرب والمسلمون وأغلب أحرار العالم مع فلسطين، وناهضوا الاحتلال بما هو متاح لهم من وسائل. فتارة اعتبروا الاحتلال حركة عنصرية، فأصدرت الأمم المتحدة قانونا مفاده أن الصهيونية تعني العنصرية، ولكن هذا القانون ألغي في العام 1993 بضغوط أمريكية وغربية. وتارة ربطوا الاحتلال بالمشروع الإمبريالي الرأسمالي وما يعنيه من استعمار وتوسع وهيمنة.

ولعلّ الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الغرب إعلانه الذي لم يتغيّر بضمان أمن الاحتلال، وعدم السماح بتهديده. المشكلة التي يواجهها هذا الغرب اليوم أن الوعي العالمي أدرك استحالة استمرار الوضع الراهن، خصوصا بعد فشل الاحتلال في إلغاء فلسطين وشعبها وهويتها ليس من الذاكرة التاريخية فحسب، بل من الحسابات السياسية العالمية. كما لم يستطع فصلها عن توازن القوى العالمي الذي ساد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبرغم تقادم الزمن، استمرت الشعوب العربية والإسلامية والكثير من شعوب العالم الثالث في التماهي مع قضية فلسطين واعتبارها محورية في الصراع الدولي خصوصا ما يرتبط بالحرّيّة وحق تقرير المصير وحماية حقوق الإنسان. وبقي الغرب أسيرا لأطروحاته وما يعتبره من ثوابت يمثل حماية “إسرائيل” أحدها. وأصبحت القضية تعكّر المزاج السياسي بين الحين والآخر، فيباغت داعمو ا لقضية الرأي العام في المهرجانات والمناسبات العامة بالهتاف من أجل فلسطين أو رفع علمها. وتعدّدت هذه الحالات في الأوان الأخير، خصوصا بعد ما حدث في مهرجان ” جلاستونبري” الغنائي في شهر يونيو الماضي عندما هتف أحد المغنّين بقضية فلسطين رافعا علمها ومشجّعا الحاضرين على متابعته. وما أكثر محاولات اللوبي الصهيوني لتحويل تلك المواقف الى قضايا معاداة السامية ولكنها لم تفلح في ذلك

هذه المواقف تساهم في توسيع دائرة الاهتمام بها. كما أن لها مصاديق أخرى. فمثلا في الجلسة العمومية السنوية للأمم المتحدة الشهر الماضي انسحبت وفود الدول العربية والإسلامية وغيرها من القاعة عندما جاء دور رئيس الوزراء الإسرائيلي لإلقاء خطابه، وكان مشهدا محرجا للوفود الغربية، نظرا لسعة الاحتجاج ودلالاته. كما أن الدعوات التي انطلقت مؤخرا لمنع الفرق الرياضية الإسرائيلية من المشاركة في دورات كرة القدم التي تنظمها ألفيفا و “يويفا” كانت موقفا أحرج الدول الغربية وكشف سعة دائرة الرفض للاحتلال برغم مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن. ومع إصرار حكومة البحرين على استمرار علاقتها بقوات الاحتلال، لا يمر أسبوع بدون خروج تظاهرة داعمة لأهالي غزّة المحاصرين وضد الاحتلال بشكل مكشوف. وقد تعبت العصابة الخليفية من اعتقال المشاركين في هذه التظاهرات، فغصت السجون بهم ولم تتوقف، فلم تر أمامها سوى الاستسلام للإرادة الشعبية وشرب كأس السم على مضض. إنها قصة الحق المنهوب والنضال المشروع لاسترداده والصمود البطولي للشعب الفلسطيني من جهة، وفشل العالم عن رفع ظلامته وإنهاء معاناته من جهة أخرى. فاصبحت النتيجة حدوث حالة استقطاب حادّة فرضت نفسها على الواقع السياسي خصوصا في منطقة الشرق الأوسط.

الأمريكيون يعتقدون أنهم هم الوحيدون القادرون على “فرض” سلام على المنطقة، وها هو الرئيس الأمريكي يعلن مبادرته لوقف إطلاق النار في غزة بعد أن كرر رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام في إثر ذلك. مشكلتهم أنهم ليسوا طرفا مستقلا إزاء ما يجري، ولا يُخفون انحيازهم للكيان الإسرائيلي، ولذلك لا تحقق قراراتهم حول السلام بنجاح حقيقي، وكثيرا ما أدّت إلى تأجيل الأزمات وليس حلّها. ومشكلتهم الأخرى أنهم لا يضعون مصالح الشعوب في حساباتهم، بل يؤسسون سياساتهم على دعم الاستبداد والديكتاتورية ومراعاة مصالحهم الاقتصادية والسياسية الخاصّة، ولا يهمهم أمر الشعوب وحقوقها ومصالحها. وتساهم “إسرائيل” في هذه السياسات لأنها ترى مصلحتها بتأجيج الأوضاع وتوسيع الصراعات بين دول المنطقة. إن أمام واشنطن فرصا لتغيير توجهاتها وأولوياتها وذلك بانتهاج سياسات متوازنة تضع في اعتبارها ضرورة حل المشكلة الفلسطينية على أساس عادل يضمن للسكان الأصليين حقوقهم المشروعة. أما سياسات التخندق والانحياز الفاضح والتهديد بالعدوان واستعراض أدوات القوّة وإرسال طائرات بي 1 بي و بي52 ونشر السفن العسكرية في البحر المتوسط والخليج، فإنما يؤجج الأزمات ويقضي على فرص السلام وأفاقه. فمن الذي يهدّد الأمن؟ ومن الذي يهدف لإحلال السلام؟ من يحمل راية العدل والسلام في منطقة عانت، وما تزال تعاني، من غياب الدور الدولي الفاعل، وتهميش جهود الأمم المتحدة. وما لم تتغيّر هذه السياسة فسوف تبقى المنطقة في حالة اضطراب سياسي وأمني، وسيعاني مواطنوها من ذلك. أهذا ما تسعى إليه واشنطن؟ وهل يستحق من يسعى لذلك جائزة نوبل للسلام؟

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
10 أكتوبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى