بيانات حركة أحرار البحرين

استمرار الصمود، والتمسك بالثوابت والحفاظ على الوحدة الوطنيّة

عندما وقّعت العائلة الخليفية اتفاقها مع “إسرائيل” قبل اربعة أعوام، كان واضحا أنها قفزت على حقائق الواقع وتجاهلت موقف الشعب وتوجهاته وانتماءه، وساهمت في كسر العزلة على نظام الاحتلال. لم يكن موقفها قائما على أساس المصالح العربية أو الإسلامية العليا، ولا مصالح البحرين وشعبها ولا الشعب الفلسطيني. بل كان يرعى مصالح العائلة الحاكمة التي تسعى لكسب دعم الغرب في مقابل بقائها في الحكم واستمرارها في الاضطهاد والتنكيل بشعب البحرين. إنها سياسة جديدة – قديمة مارسها الغربيون والحكام المحلّيّون على حد السواء. فليس من مصلحة البحرين وأهلها الخروج على الإجماع العربي الذي ركّز لأكثر من ثلاثة أرباع القرن على العمل لتحرير فلسطين من الاحتلال وحماية شعبها الذي ما يزال أغلبه يعيش في المخيّمات والمنافي. بل أن الشعب البحراني كان منذ بداية الاحتلال واضحا في مواقفه، رافضا ذلك الاحتلال ومعارضا إقامة أية علاقات معه، ودعم أهل فلسطين، وتعميق الشعور الوطني بالتضامن معهم واحتضان قضيتهم. وعلى هذا سار أغلب الشعوب العربية التي بقيت وفيّة لقضية فلسطين قبل أن يخونها بعض الأنظمة التي هرعت للتطبيع مع الاحتلال وتخلّت عن التزاماتها تجاه شعب فلسطين.

كان واضحا منذ الاحتلال أن الشعوب العربية ثابتة على موقفها الرافض للاحتلال والمطالب بتحرير فلسطين واحتضان أهلها ودعم صمودهم. ولم يتغير هذا الموقف برغم محاولات التطبيع التي قامت بها الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا. وما يزال الذوق العربي والإسلامي متمسكا بمبدأ تحرير فلسطين من الاحتلال، ورافضا سياسات التطبيع التي ينتهجها بعض الأنظمة، خصوصا التي تخضع للإملاءات الغربية. ولذلك استمرت الأزمة وألقت بظلالها على المؤتمرات واللقاءات والعلاقات بين الدول. وكانت قضية فلسطين أحد عناوين حقبة الحرب الباردة التي تصاعدت فيها حركات التحرر الوطني ودعمت فلسطين كقضية محورية في النضال التحرّري الذي تصاعد في ما كان يسمى دول العالم الثالث الواقعة تحت الاحتلال. وبرغم التغيرات في السياسة الدولية فقد بقيت قضية فلسطين محورية في هذه السياسة برغم الضغوط الغربية لدعم كيان الاحتلال وتشجيع الاعتراف به عالميا. ومن المؤكد أن صمود الموقف العربي والإسلامي طوال تلك الحقبة ساهم في استمرار الحصار السياسي والدبلوماسي للاحتلال، ولكن تراجع ذلك الحصار وهرولة بعض الأنظمة العربية لمد الجسور مع الاحتلال، أخرج “إسرائيل” من عزلتها خصوصا بعد أن أقام بعض الأنظمة العربية علاقات معها.

إن إرادة الأمة ضرورة لصمود أي موقف تلتزم به، ولا تستطيع القوى الأخرى إحداث تغيير في هذا الموقف. ويمكن الادّعاء ان تلك الإرادة ما تزال متوفرة، ويتضح ذلك في مواقف أغلب الدول العربية والإسلامية التي ترفض الاعتراف بالاحتلال أو إقامة علاقات معه. ولا شك أن صمود الشعب الفلسطيني في موقفه الهادف لتحرير أرضه وتقرير مصيره كان عاملا أساسا في استمرار المقاطعة السياسية والاقتصادية للاحتلال. وبرغم ما حدث من تراجع في ربع القرن الماضي ما يزال هناك رفض نفسي وسياسي لدى الشعوب العربية للتعايش مع الاحتلال أو التطبيع معه بأي شكل من الأشكال. كما أن الاحتلال نفسه، مدعوما بأمريكا بشكل أساس، يسعى جاهدا لكسر العزلة والولوج إلى عالم السياسة الإقليمي المرتبط بفلسطين، ولكنه لم يحقق اختراقات كبرى. فوعي الشعوب كان صخرة صمّاء تكسّرت عليها محاولات كسر إرادة شعب فلسطين. فالمحتل يسعى لإكمال احتلاله بضم كل من غزة والقطاع ألى بقيّة الأراضي المحتلّة من فلسطين، ولكنه يواجه صعوبات جمّة وهو يسعى لإفراغ غزّة من أهلها بعد أن حوّلها إلى ركام. إنها إرادة الحياة ومشاعر الكرامة والإباء، التي فشلت في إخضاع الجياع والحفاة والمشرّدين على مدى أكثر من ثلاثة أرباع القرن. هذه الإرادة لم تفت فيها المؤامرات والاستسلامات ومواقف الخذلان، بل بقيت فاعلة في تقوية مواقف الرجال والنساء الذين يواجهون الاحتلال والعنف السياسي والاستبداد.

الأمر المؤكد أن هناك رهانا غربيا على كسر إرادة الأمّة، ويبدأ ذلك بإضعاف إرادة الأفراد وتشويش عقولهم وإدخال الخوف والرعب والشك في نفوسهم من الصلابة والثبات، وأن المروتة ضرورة للتعايش مع الواقع بينما يؤدي التصلّب إلى خسارة الموقف. وهناك اليوم جهود متواصلة لكسر هذه الإرادة كذلك من خلال سياسات التمييع والتفسخ، كما يحدث الآن في مناطق عديدة من السعودية، حيث ينتشر التحلل من القيم الموروثة ليبدأ بعد ذلك مشروع اتباع أنماط الحياة الغربية التي تتضمن التخلّي عن قيم الدين وما يمليه من عفّة والتزام وثبات. وتعج الساحة العربية والاسلامية اليوم بمشاهد الصراع بين الموروث والمستورد، بين الأصالة والتقليد وبين الإرادة الصلبة والاستسلام للواقع المفروض. إن كسر الإرادة خطوة أولى على طريق إفساد الأجيال ومنع التغيير والحيلولة دون ضبط الأمور وتوجيهها بما يخدم مصالح الأمة ويحافظ على سلوكها وانتمائها العقيدي والثقافي والحضاري. ومع الاستمرار في الترويج لأنماط الحياة الغربية المتحللة، وفي ظل هيمنة الاستبداد ومحاصرة الحرّيّات العامة خصوصا في الأوساط الإسلامية المتدينة، يصبح التحوّل من الالتزام ألى التحلّل ظاهرة عاامة تتحدى الجميع وتستعصي على محاولات الاحتواء. ويساهم سجن الدعاة والعلماء والتهديد المستمر للدعاة والتوعويين، في أخلاء المجتمع من دعامة أساسية للثبات والاستمرار بترويج قيم الدين وأخلاقه واستبدال ذلك بثقافة التحلل والانسلاخ من القيم.

إن السباق بين الالتزام المؤدّي للانضباط والإصلاح والتغيير والتحلل من القيم والشعور بالانتماء محتدم لا يتوقف. ويدرك الملتزمون دينيا بخطر إبعاد الدين عن الحياة العامة وتجميد دوره في التغيير الفردي والمجتمعي، ولكن يجدون أنفسهم معرّضين للتهميش والتخويف والتهديد، كل ذلك لإطفاء أنوار التوعية والتوجيه في عالم يكتظ بالدعايات المضادة الهادفة لإضعاف ارتباط الأشخاص بمصادر دينهم أو التعمّق في قراءة أخلاق الدين وشروط بناء الشخصيات الصالحة لرفع راية التغيير في المجتمع. إن هنا صراعا بين الالتزام الدافع لرفض الظلم والاستبداد والاتلال، والتفسخ الذي يغيّر ذهنية الأفراد والجماعات ويضعهم على طريق الانحدار الى الوادي السحيق، فيخسروا حياتهم ونضالهم، ويصبحوا مهمّشين في ميدان صراع الحق والباطل والسباق بين التحرر والاستبداد. لذلك يصر حكام الاستبداد على إبقاء الدعاة والمناضلين وراء القضبان أحقابا. وما الإصرار الخليفي على تغييب رموز الوطن والشعب مثل الاستاذين حسن مشيمع وعبد الوهاب وحسين والدكتور السنكيس وسواهم إلا حلقة محورية في مشروع تجفيف المنابع الفكرية للشعب خصوصا الشباب المتلهّفين للتوجيهات الهادفة في معركة الصراع بين البقاء والفناء. فبرغم تغييب الرموز خمسة عشر عاما ما يزال الطاغية وعصابته يصرّون على إبقائهم وراء القضبان، وقد بلغ بعضهم أكثر من 75 عاما من العمر. ويراهن الحاكم وبطانته وداعموه الغربيون أن تجفيف المنابع الفكرية والفقهية سوف يؤدي إلى تهميش الوعي الديني من جهة، والرغبة في التصدّي للظلم والاستبداد من جهة أخرى. وهكذا تستمر دورة الزمن والصراع بين البحرانيين الأحرار والخليفيين الطغاة بدون توقف. إن استمرار النضال مسؤولية وطنية خصوصا في مرحلة الاستسلام السلطوي للمحتل، والأمل أن يبقى التماسك النضالي الوطني ظاهرة ثابتة تظهر في كل تظاهرة او اعتصام أو وقفة من أجل الحرّيّة، كما حدث مؤخرا من أجل غزّة. فلا بديل عن ذلك، فهو السبيل لليقظة المستمرة والشعور بالانتماء والاستجابة للواجب الإنساني والوطني. فهذا ما يتطلبه الموقف وما يتوقعه الشهداء وذووهم، وما تنتظره القوى التقدّميّة في العالم.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
19 سبتمبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى